أخبار عاجلة
ابن عم الكاتب ياسر رزق: «فقدنا هرم العائلة» -

د. صلاح هاشم يكتب: دربُ الوجع ..!

د. صلاح هاشم يكتب: دربُ الوجع ..!
د. صلاح هاشم يكتب: دربُ الوجع ..!

 

الأفراح فى جزيرتنا لم تكن بنفس القدر من البهجة. كانت أفراحها محفوفة بالخوف ومعجونة بالوجع ... فكثيرا مان الاحتفال بشم النسيم ينتهى بغرق أخد شباب القرية .. وتنتهى الأعراس بعيار طائش فى صدر إنسان برئ . وعلى مقبرة كل فقيد، يردد العجائز فى وجع " مات الزِين وعاش الشِين " ..!

كانت موارد الناس بالقرية قليلة، وكانت مصادر البهجة لديهم نادرة. فكانوا يفرحون لأتفَهِ الأسباب، ولا يوجعهم سوى الموت .. إلا " سعدية" قد كانت تحزن مثلهم، ولا تفرح مثلهم أيضا. وكانت لا ترى "الموت" بنفس الوجع الذى يستشعره أهالى جزيرتنا. بل كانت فى أحايينٍ كثيرة تراه ضرباَ من ضروب الفرج ..!

 كنت أعشق دائما النظر إليها فى صمت. أتابع نظراتها حين تبدأ فى "قراءة الودع " وفى ذات مرة اقتربت منها وسألتها: لماذا لا تبكين على الموتى يا خالة سعدية .. فنظرت إليَّ فى عجب وقالت:عن أى موت تسأل يا ولد .. موت الفلاحين أم موت العُمَد والمشايخ " ..؟!

 كان سؤالها غريب. غريبٌ لدرجة أنى لم أستوعبه .. فقولت لها : الموتُ موتٌ يا خاله سعدية .. فالناس جميعهم يموت مرة واحدة ..!فقاطعتنى قائلة:" إلا العمد المشايخ والباشوات"  فإنهم لا يموتون سوى مرة واحدة ..أما الفلاحين والجوعى فيموتون فى الليلة عشرات المرات..!

 الموت لا نشعر به فقط حين تنقع أنفاسنا عن الدنيا التى نعيشها .. فغالبا ما نموت حين ينقطع الإحساس بيننا .. وحين نفقد من نُحِبُ.. وحين يغيب أو يمرض  .. نحن نموت حين يُقهِرنا " الظلم " وحين نعجز حتى عن التعبير عنه .. !

الموت يا ولدي يحدث حين ينفصل الإنسان عن الواقع الذى يعيشه.. وحين لا يشعر الإنسان بـ" الآمان " مع من يُحِب ..!

كانت "سعدية " تجلس دائما على رأس الشارع الذى أسكن فيه .. وكانت حين تسأل عن مكان إقامتها تقول: أسكن على ناصية درب الوجع. وحين كانت تسألُ عن مهنتها: تارة تقول " بائعة الأمل " وتارة أخرى تقول "ضَرَابَة الوَدَع ".

كنا نكبُر كل يوم على كلامها الحِكَمِي .. ونقف بالساعات نتغزل فى أشعارها التى كانت تحفظها عن أبيها " شيخ كُتَّاب القرية" ورغم فقرها المنقوش على جبهتهان .. كانت " غَنِيّةَ " بأفكارها، وببعض المعارف التى ورثتها عن الأب .

 وذات مرات أراد أحد زملائنا مداعبتها. فقال يا خالة علمينا كيف تقرأين الودع .. فمن علمنا حرفا صرنا له عبيدا.. وبالطبع لن تجدى عبيدا مثقفين أمثالنا .. قضحكت وقالت: ما أكثرهم فى زمنكم الأغبر..! فقلت لها تقصدين " العَبد المثقف أم " المثثقف العَبد " فضحكت بصوتها الحنون وقالت: بالطبع أقصد " المثقف العبد" - فأى علم هذا الذى ينتج عبيداً .. المُعَلِمُ الحق هو الذى يُخَّرِجُ من  بين يديه أجيالا من الأحرار.. فقال لها صديقى فى خَجل : هذا ما تعلمناها فى " مدارسنا " يا خالة .. فقالت مدارسكم هى نفسها " المناهج " التى علمتكم أن " البهجة " تُمِيتُ القلب .. وأن " الدموع"  بمثابة " شِيك" على بياض، يصرفه صاحبه من " بنوك الجنة " بعد الموت ..! ثم ضحت وقالت: والغريب فى ذلك أنكم مطالبون بالتفاؤل.وكأن الأنسانَ لا يُبنى سوى بـ" الوَجَعِ " ..!

وما إن سمع صديقنا " المتشدد " مقولتها تلك،حتى قام يهاجمها .. وكانت عادتها حين تشعر بالهجوم تلتزم " الصمت " وتُطِيلُ النظرَ إلى وجه مهاجمها حتى يصمت.. وقال لها " ساخراً " متىتكفين عن مهنتك التى تبيع الوهم للبشر.. ألا تخافين " الله " يا سعدية ...؟ قالت: أنا لا " أخاف الله "كا تقولون .. لكننى " أُحِبَهُ".. هل جربت " الحب" يا ولد ..هل تذوقت حلاوته ؟ هل جَربتَ أن يكون قلبك " مُعَلقٌ " على صدرِ الحَبيب .. إذا غضِبَ" الحبيب " لا تنام .. ولا تنام حتى " يرضى " ..؟

 فلو أن الناس أحبوا الله يا ولدي حقا ما عَصَوّه .. فقال لها صديقى غاضباً: ولو أنهم خافوا منه، ما تجرأوا مثلكِ عَليهِ .. فقالت : لو أنهم خافوا منه ما أحبوه .. ولو أنهم أحبوه ما خافوا منه ..! فقلت لها : لكن دموع الخوف  من العقاب تغفر الذنوب .. فقالت: ودموع الشوق إلى الحبيب  تمنع الخطايا ..!

تعلمنا كثرا من " ضرابة الودع " لكننا لم نقدم لها شيئا .. كنا نخافها .. لأن أمهاتنا كانت تخبرنا بأنها على علاقة وثيقة بـ" الجن " وأن " الودع " الذى بين يديها من جبال " العالم السفلى" .. وما تُوحِى به سعدية  لت" المريد " ليس من عندياتهاـ بل بـ" إيحاء " من الجن ..! لم نقدم لسعدية شيئا، رُغمَ أنها قدمت لنا الكثير من الفَهم والأمل.. لا لشيئ سوى أننا كنا نخاف من سعدية .. لكن " سعدية نفسها كانت تعطى بحب.. !

كانت سعدية تقيس " أعمارنا " بعدد خطوط " الحزن " المرسومة على الوجوه .. جِئتُها بعد أن َخلَت " ناصية الدرب " من جلستها ومُرِيديها .. لم أجد " الضحكة " التى كانت تستقبلنى على باب البيت .. لِمَا هذا الحزن يا خالة .. قالت" رحل"  الأمل " وبدونه سوف أرحل .. لا أستطيع العيش بلا أمل ..!

 حينَكنتُطفلة فى " كُتَّابِ " أبى حلمت بأ اعمل عرافة أو ضرابة ودع .. أبى لم يترك لى مالا أعبيش به، ولكنه ترك لى قلبا مفعما بالأمل .. كانت أحوال الفلاحين لا تَسرُ .. وكانت وجوههم مليئة بالأحباط والألم ..فكان الأمل " سلعتى " التى أتاجر بها بين البشر ..!

فجَسلتُ بالأمل الذى أحمله على ناصية الدرب .. أتلقى شَكَاوَىَ الفلاحين .. أقايض الأمل الذى أملكه، بالألم الذى يحملونه .. كان رصيدهم فى الأمل يزيد ..بينما كان رصيدى فى الأمل يَقل .. أما الآن فقد فاقت أوجاع البسطاء أرصدة الأمل التى فى القلوب ..حيث آكلَ" الغلاء "طعام " الجوعى " كما آكلَ" المرض "أجساد الفلاحين .. ودَمرَ " الجهل " و" التشدد " كل شيئ جميل ، بشكلٍ فاق كل طاقات الأمل ..!

 والآن أفتش فى قلبى عن الأمل الذى ورثته عن أبى .. فلم أجد سوى بؤس البسطاءوالفلاحين .. كنت أحلم أنى استطيع بـ" الودع " وطاقات " الأمل " أن أُغيرَ درب "الوجع" إلى درب "السعادة" .. لكننى انتهيت .. فقولت لها:إذاً تعترفين بالفشل يا خالة ..؟! قالت: كلا .. إنتهيت ولم أفشل..  جزيرتنا تحتاج  إلى من يُكمل بعدي الطريق.. إلى من يحملُ بعدى مناديل الودع .. فلن تبنى جزيرتنا سوى بالأمل والعمل .. حاجتنا للأيدى التى تعمل، كحاجتنا إلى من يزرع الأمل .!

 وأمسَكَت " سعدية " بالمنديل وأخذت تنظر فى وجوه الناظرين..  وكأنها كانت تفتش فيها عن " أرصدة الأمل " وأخذت تزعق بصوتها الُمنهَك المريض: من يحمل بعدي مناديل الودع .. ؟ من يخفف عن الغلابة أرصدة الوجع ..؟ثم إستدارت وجهها عن الجميع..ثم ضحكت .. وألقت بـ" المنديل " فى حِجرِ " طفلها الصغير" ..ثم ماتت ..!

 

د. صلاح هاشم
[email protected]