بوابة صوت بلادى بأمريكا

عبد المنعم سعيد يكتب: من الاستثمار إلى التكنولوجيا!

 

اهتمام الدولة كبير للغاية بالاستثمار، وما نشر عن سعى مجلس الوزراء بقيادة الدكتور مصطفى مدبولى لتحفيز القطاعات المختلفة الاقتصادية لجذب الاستثمارات الخارجية والتوسع في الاستثمارات الداخلية أيضا محمود ومشكور. هذا الاهتمام ربما لا يكون استجابة للنداءات المختلفة لدعم الاستثمار فقط، والاستخدام الأمثل للبنية الأساسية الحالية، وإنما أيضا لتصحيح الانكماش الجارى في القطاع الخاص خارج مجالات النفط والغاز. معالجة الأمر ربما تحتاج بعضا من الجهد خارج الصندوق الخاص بالتعامل مع ممارسة الأعمال والعقبات الواقفة أمام «ميكانيكا الاستثمار» وحدها وإنما بفتح المجال للتكنولوجيات الجديدة لكى تنقل التنمية المصرية ليس بخطوات وإنما بقفزات. فما يبدو أننا نسير فيه يقتصر على تحسين ما هو موجود، ومن ثم فإن معدلات النمو الراهنة مبشرة بمزيد من التقدم خاصة لو حافظت على معدلات ارتفاعها الحالية. ولكن ما نراه حاليا من قفزات جارية ربما يحذرنا أننا عندما نصل إلى أهدافنا في عام ٢٠٣٠ فإن الفارق بيننا وبين العالم ربما يبقى على ما هو عليه.

ما يلفت النظر إلى الموضوع هو أن اهتمامنا خلال السنوات الخمس الأخيرة بأجيال جديدة من المدن كان اهتماما حميدا برز في العاصمة الإدارية الجديدة. والمدن بشكل عام قديمة وحديثة هي التي تظهر في النهاية نتاج عملية التنمية الشاملة للدولة والمجتمع، لأنه عندها تتجمع كل ملامح «التقدم» التي حدثت للأمة بأكملها. ولعل ذلك كان السبب الذي دفع الشركات الصناعية الكبرى في العالم إلى بناء مدن حديثة تماما؛ وفيما أعلم كان أولها شركة آبل التي وضعت خطتها لبناء مدينة في كندا، أما آخرها فكان شركة «تويوتا» للسيارات لتى قررت بناء مدينة «المستقبل» عند قاعدة جبل «فوجى» في اليابان. مفهوم هذه المدينة يأتى من عالم الصناعة أيضا لأن التصور هو أن تكون المدينة «مغزولة» أو «منسوجة» Woven City أي متشابكة الشبكات التي تبدأ مع أشكال جديدة من طاقة خلايا وقود «الهيدروجين»، وكمعمل لاستخدام السيارات «المستقلة» أي التي بدون سائق، والبيوت الذكية، والذكاء الاصطناعى والتكنولوجيات الأخرى.

المدهش في الأمر أن كثيرا من هذه الأمور اطلعت عليها أثناء زيارة لليابان قبل عشر سنوات حيث كان جانبا من الرحلة مشاهدة «متحف» شركة «باناسونيك» للمستقبل، حيث كان «المنزل الذكى» هو ذلك الذي يقوم على حلقة كاملة من استخدامات الطاقة الشمسية التي يجرى منها تخزين الطاقة التي لا يكتفى بوجودها للحصول على خدمات الإضاءة وتشغيل الأجهزة، وإنما إلى دوران هذه الطاقة داخل المنزل بحيث يعاد استخدامها مرة أخرى طالما أن البيت بكامله قد جرى تحصينه من فقدانها. بعض المخترعات التي شاهدتها قبل عشر سنوات، لم تظهر بعد، مثل التلفزيون الذي يتحكم الإنسان في حجم شاشته التي أصبحت أي حائط متاح، والمرجح أنها سوف تبدأ في الظهور خلال العقد الحالى الذي بدأ قبل أيام. ولكن الأمر الذي يبدو أنه يشكل اختراقا في التكنولوجيا فإنه يكمن في موضوع تخزين الطاقة بحيث لا يفقد منها شىء، ومن المقدر أن الإنفاق على هذا الأمر قد تعدى سبعة مليارات من الدولارات في العام الواحد. السيارة هي الأخرى جرت فيها اختراقات متعددة لم تحدث فقط في مجال إنتاج السيارات الكهربائية، أو تلك التي بلا سائق، أو حتى التي تطير، وإنما في تغيير ترتيب الشركات الكبرى للسيارات في العالم، وقبل أيام فإن القيمة السوقية لشركة «تسيلا» (٨٩ مليار دولار) فاقت القيمة المركبة لشركتى جنرال موتورز وفورد معا (٨٧ مليارا).

بالعودة إلى مدينة المستقبل لشركة «تيوتا» فإن المدينة كما يقول مصمموها سوف تظل تقدم الخدمات الأساسية، فسوف يكون فيها شرطة، وإسعاف، ومدارس؛ ولكنها سوف تكون أكثر نظافة ومرحا وتسلية وصداقة لموظفى الشركة وأطفالهم والمحالين على المعاش منها الذين سوف يحصلون على نوع من «الحياة الجديدة» فيها. هي نوع من التطور النوعى الذي يجرى فيه الاختراق في مجالات كثيرة، والكلمة الشائعة في قياس هذا الاختراق هي أنها «تقوض» Disruptive أشكالا للحياة قديمة، بالقدر الذي غيرت فيه الكهرباء والسيارة من أشكال الحياة. يضرب المحللون في الأمر مثال التطور الذي يغير إلى الأفضل في أشكال الحياة الحالية ولكنه يبقى على جوهرها كما هو. الغاز الطبيعى هو نقلة أكثر نظافة وأقل تلوثا، ولكن الطاقة تظل في نطاق الوقود الأحفورى. والمثال الآخر هو أن التليفون الجوال «بلاك بيرى» الذي أنتجته شركة كندية كان تطويرا ملموسا في شكل واستخدام ما بات تقليديا «نوكيا»، وكلاهما لم يعد له وجود الآن. النقلة النوعية جاءت مع منتج شركة «آبل» «الآى فون» الذي قاد إلى الكمبيوتر الشخصى والمحمول والجوال لكى يكون بحجم كف الإنسان الذي أصبح نوعا من الطاقة الإنتاجية المتحركة.

المدهش أكثر أن الدول المتقدمة والصناعية نجحت في خلق الكثير من حلقات الاعتماد المتبادل بين شركاتها الصناعية الكبرى بحيث يرى التنافس في إطار واسع من التكامل. فالذائع أن منتجات «آبل» تنتج في الصين، وكذلك إنتاج السيارات الكهربائية بدون سائق لشركة «تسيلا» وغيرهما من الشركات؛ وعندما أعلنت شركة «تيوتا» عن مدينتها للمستقبل جرى ذلك في مدينة «لاس فيجاس» الأمريكية. وفى العالم العربى فإن هناك بعض الجهود الجارية في مجال الإبداع والابتكار إن لم يكن في مجالات العلوم الأساسية وإنما في مجال التطبيقات. ومن زار دولة الإمارات العربية فإن مدينة «مصدر» هي مدينة صغيرة تدار كلها بالطاقة الشمسية التي لا تهتم بها الإمارات فقط وإنما أيضا المملكة العربية السعودية التي أعلنت مؤخرا اختراعا جديدا يسهم في رفع كفاءة عمل الألواح الشمسية في توليد الطاقة لتتناسب مع أجواء المملكة بنسبة تصل إلى ٢٥٪، ويزيد من كفاءة الخبرات الشمسية الكهروضوئية. وكلا البلدين لا يهتمان بالطاقة المتجددة فقط (أبوظبى هي مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «أرينا») وإنما أيضا يبذلان جهدا كبيرا في تبنى البحث العلمى الذي يجعل النفط صديقا هو الآخر للبيئة عن طريق نزع «الكربون» منه أو ما يسمى DE carbonization. مصر حاليا فتحت الأبواب للكثير من الجامعات الأجنبية لكى تفتح فروعا لها، كما أنه يجرى حاليا إنشاء جامعة الملك سلمان بن عبدالعزيز في سيناء، فهل يمكن أن يكون لهذه الجامعات مكون تكنولوجى لا يحسن فقط فيما هو موجود، وإنما يشكل مغادرة ومفارقة وتجاوزا لما هو موجود، أم أن هذه أحلام يقظة؟!.

 

أخبار متعلقة :