كبسولة حنان..بالعقل و ليس بالغرائز فقط

كبسولة حنان..بالعقل و ليس بالغرائز فقط
كبسولة حنان..بالعقل و ليس بالغرائز فقط

قال الإمام علي بن ابي طالب

إن المكارم أخلاق مطهرة .. فَالدِّيْنُ أَوَّلُها والعَقْلُ ثَانِيها

وَالعِلْمُ ثالِثُها وَالحِلْمُ رابِعُها .. والجود خامِسُها والفضل سادِيها

والبر سابعها والصبر ثامنها .. والشُّكرُ تاسِعُها واللِّين باقِيها

والنفس تعلم أني لا أصادقها .. ولست أرشد إلا حين أعصيها

و لسنا هنا بصدد الحديث عن الأديان أو عن الإمام علي بن أبي طالب و لكننا بصدد الحديث عن الأخلاق و قد أستوقفني كثيراً ما قاله الإمام رضي الله عنه و وصفه المكارم  أنها أخلاق مطهرة و أن الدين أولها و العقل ثانيها و العلم ثالثها و الحلم رابعها الي آخره ،، و عندما تأملت العالم اليوم و ما يمر به من صراعات و تكتلات و تحالف قوي الشر و ضياع القيم و إنهيار الأخلاق برغم كل التطور الذي نعيشه في كل المجالات رأيت أن الجانب الغريزي الغير إنساني أصبح يتحكم فينا بشكل مرعب و أن ما يظهر من غريزة حيوانية يومية من الإنسان  لو تُرك دون وعي فسوف يفسد الأرض أكثر فأكثر ! و الوعي لابد و أن يأتي بقرار الإنسان نفسه ثم تبدأ بعدها رحلة العِلم والتثقيف وتطوير الذات ليبتعد عن الجانب الحيواني ويقترب من الإنسانية أكثر ،،

هنا يجب علينا أولا أن نعترف أن الإنسان مجموعة من الغرائز و أن وظيفة العقل أن ينظم علاقة وظهور و كتمان هذه الغرائز التي تعد بالمئات و ثانياً يجب أن نعترف أن هناك بعض الغرائز مذمومة برغم أنها سر الحياة و تطورها ،، فالغريزة الجنسية مثلاً يطلق عليها البعض الغريزة الحيوانية إمعاناً في تحقيرها مع أن بدونها ينقطع النسل كذلك غريزة الخوف من الموت أو غريزة حب الحياة هي أيضا من الغرائز المذمومة في الثقافة العربية و عند الناس عموماً و خاصة الرجال بأعتبارها جبناً يخجل منه الرجال !  كذلك غريزة حب التفوق هى الغريزة المذمومة عندما يسميها البعض أنانية و الممدوحة في ذات الوقت عندما تسمى طموحاً و لكنها في كل الحالات أهم عامل من عوامل تطور الحياة و قد اهتمت كل الأنظمة السماوية و الوضعية بالتفوق وضعت شرائع وقوانين لتشجع التنافس و الحماية من الانحراف و من الاستبداد و الطغيان و الجشع

إن هناك من يري أن الإنسان أكثر بهيمية من الحيوان رغم وجود العقل و الحواس التي يدرك بها أكثر من الحيوان الذي يتصرف حسب الغريزة التي خلقها الله فيه و أن الحيوان  يستجيب لغريزته بحدود معينة لا يزيد عليها بينما الجشع الموجود عند الانسان يمكن أن يتعدى الغريزة البهيمية و يتعدى سلوك الحيوانات و ليس له حدود و يقول آينشتاين : (إثنان لا حدود لهما الكون و الجهل) و يمكن أن نضيف إليهما جشع الإنسان الذي لا حدود له ! فالنفس تشتهي الأشياء التي يطلبها الجسد ويحتاج إليها وهي ميل ورغبة كلما حاول صاحبها إشباعها كبرت وطلبت المزيد و هي ليست كالغريزة الموجودة عند جميع المخلوقات فهي خاصية في الإنسان فقط و هي أكثر انضباطا و تهذيبا من خلال الوعي الإجتماعي و العقل الذي يتحكم بها ،، فيمكن للإنسان أن يشتهي نوع من الطعام حتى وإن لم يكن جائعا فهي ليست مجرد استجابة للغريزة التي وضعها الله عز وجل في نفسه وإنما يطورها بإستمرار و لا يتحكم بشهوته ويطلق العنان لنفسه بلا حدود أو ضوابط ،، فالإنسان أصبح أكثر جشعاً من الذئاب التي تصطاد فريستها لسد حاجة الجوع و تترك شيئا لباق الحيوانات الجائعة إذا شبعت لتأكل من فريستها ! أما الانسان و ان شبع فإنه لا يترك شيئا للإنسان و لا للحيوان

أيضا الإنسان لديه غريزة التملك و كثير من الأحيان يتم الخلط بين التملك و بين الحب و تبدأ السيطرة على الآخرين بحجة الحب و نجدها كثيرا في العلاقات الزوجية حيث يحاول أحد الزوجين السيطرة على الآخر وكأنه جزء من أدواته الشخصية و لا يعير الانتباه أن الشخص الآخر لديه الخصوصية و الحرية الشخصية و يقول إحسان عبد القدوس في هذا:(شئ اسمه الحب وشئ اسمه غريزة التملك وبين الحب وغريزة التملك خيط رفيع.. رفيع جداً.. إذا ما تبينته تكشف لك الفارق الكبير)

و يختلف الإنسان عن باق الحيوانات في طريقة إشباع الغريزة بوجود العقل الذي ميزه الله به عن غيره و غرز في نفسه الشهوة التي تناولها علماء النفس و البيولوجيا و الأنثروبولوجيا و وضعوا لها تعريفات فقالوا ( إنها الدافع الواعي نحو شيء معين والذي يعد الانسان بالمتعة و الرضى ) و قد صنف العلماء الشهوة إلى نوعين من الشهوات ،، إحداها تشبع الناحية الجسدية و الثانية تشبع الناحية الروحيه مثل الفرح و الحزن و الكآبة و التأمل و الموسيقى و الغناء و الرسم و كلها منظومة شهوات في النفس تظهر لتشبع الناحية الروحية للإنسان فالبكاء غريزة في كل البشر فإذا ألمّ بالإنسان مصيبة أو فقد إنسان عزيز عليه نجده يجهش بالبكاء ويحترق من داخله بسبب الإحساس المؤلم كما يمكن التعبير عن مشاعر الحزن والألم بالكلمات والحروف فنجد أن الشاعر يبكي بالكلمات والحروف عندما يقول الرثاء مثلاً !

سبحان الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى فهو الذي وضع الغريزة و الشهوة في نفس الكائنات الحية بطريقة محكمة مبرمجة و هدى كل من هذه الكائنات كيفية إستخدام هذه البرامج للتمكن من العيش ليعمر الكون و تستمر الحياة بالعقل و ليس بالغرائز فقط 

 

حنان شلبي