د.خالد بوزيان موساوي يكتب : مقاربة سيميولوجية لقصيدة " قبضة الضباب " للشاعر المغربي جمال أزراغيد

د.خالد بوزيان موساوي يكتب : مقاربة سيميولوجية لقصيدة " قبضة الضباب " للشاعر المغربي جمال أزراغيد
د.خالد بوزيان موساوي يكتب : مقاربة سيميولوجية لقصيدة " قبضة الضباب " للشاعر المغربي جمال أزراغيد
 
توطئة: يمكن مناولة هذا النص من زوايا ورؤى ومقاربات متعددة ومختلفة. غير أننا بعد عدة قراءات سطرية عمودية وأفقية وجدنا أنفسنا أمام محك تفكيك دلالات صُوّر (خطية، وصوتية، وضوئية) على شكل علامات تتشكل منفردة ومجتمعة  من دال signifiant تدركه حواس ظاهرة (الحواس الخمس) لتفرز عبر مرايا التأويل مدلولا signifé يحيل على حواس باطنة (حدس، وخيال، ووجدان، وتمثلات، وأفكار). مقاربة تنطلق استهلالا بالمسح balayage البصري للنص، وبالسؤالين اللغوي (معجم، ونحو وظيفيين)، والبلاغي (بيان، وبديع، ومعاني) لتتعمق في دلالات العلامات مستعينة بإحالات على مرجعيات ذات أبعاد وجدانية، وإستيتيقية، وسوسيوثقافية، وفلسفية. الشاعر جمال أزراغيد يقترح "متعة النص" قريبة من منظور رولان بارت الذي يرى إن " لكل نص أدبي مكتوب مظهران؛ مظهر دال ويتمثل في الحروف الدالة من ألفاظ وعبارات، ومظهر مدلول وهو الجانب المجرد أو المتصور في الذهن أو المتحصل عقليا".
1 ـ العلامة الأولى: الصورة الخطية:
أ ـ العنوان باعتباره عتبة للنص: اختار الشاعر أزراغيد رسم عنوان نصه خطِّيا على شكل مفردتين كافيتين لبناء جملة اسمية من مبتدإ وخبر (قبضة الضباب). صياغة شكلت استثناء للقاعدة النحوية المتداولة؛ إذْ الأصل في المبتدإ أن يكون معرفة والخبر نكرة، ويتم تبرير الاستثناء في سياق هذه الجملة بكون المبتدإ (قبضة) اسما مضافا. لكن فور استعانتنا بالمعجم لفهم العلاقة الدلالية بين المبتدإ والخبر، استنتجنا ان لا علاقة منطقية من حيث المعنى يين مُضاف / مُسند (قبضة، وهي حركة ملموسة تعني الاحتواء بالكف )، ومُضاف إليه / مُسند إليه (الضباب، وهو سحاب يغشى الأرض كالدخان لا يمتلك كفا لاحتواء ما غيره.). وكأننا أمام لوحة تشكيلية سريالية رَسَم فيها الفنان ضبابا يمتلك أياد تمتلك مَلَكة القبض تجسيدا لتشخيص بلاغي. صورة تذكِّرنا ببعد يتجاوز التفسير اللغوي، إن البلاغيين حين تحدثوا عن أهم الدواعي للتعريف والتنكير ذكروا "التشويق" إلى المتأخر إذا كان المتقدِّم مٌشعِراً بغرابة. وهي الغرابة عينها التي يشعرنا بها الشاعر على عتبة نصه كأنه يدعونا كما في "مشهد العرض" لنص درامي لولوج عوالم شعرية داخل ديكور من "ضباب" يستدعي السؤالين الوجداني والوجودي معا.
ب – الصورة الخطية الهندسية للنص/"طبوغرافية" النص: 
الصورة الخطية للنص:
" هنا
في التُّرابِ، أشتَهي أنْ أُمَرِّغَ يَدَيّ
أنْ أُغَنّيَ بِفَمٍ
يَشتَهيهِ صوْتُ الشّجَرِ العالي
عِنْدَ انْفِلاتِ القَمَر
مِنْ قَبْضَةِ ضَبابٍ
يَسْتَصْبِحُ بِأَنْغامٍ
تَمْنَحُني وَهَجًا
قُبالة مِرْآةٍ تَرتَقي سُلّمَ المُبْتَغى
حَواشيها مَمْهورَةٌ بِموسيقى البَهاء
أنْ أَغرفَ حَجَرًا
أَسُدُّ بِهِ
بابَ الرّيح
والضّوْءُ عَلى صَدْري يَميلُ نَحْوَ مَصَبِّ الذِّكْرَيات
يَتوقُ لِأَحِبَّةٍ
سَقَطوا
على صَفْحَةٍ تُجَرْجِرُ نَفْسَها
بِاتِّجاهِ نَهْرٍ
يَتَذَكَّرُ ـ جَهْرًاـ مَجْراهُ في دَمي..
هنا
في التّرابِ،أبْحثُ في كَهْفِ الأَساطيرِ
ما وَجَدْتُ غَيْرَ أسطورَةِ جَسَدٍ
لَفَّتْهُ أصْداءُ المَلَلِ
بِأَقْمِطَةِ الْوَقْتِ المَصْفوفِ عَلى أَسِنَّةِ المُدى
رَأْسًا إلى الجَسَدِ
صِحْتُ عَلَيْه:
لا عِلْمَ لي بِأَحْلامِكَ
المَذْعورَةِ مِنْ شَبَحِ الصَّمْتِ
بِالْكادِ، أَتْرُكُ بَعْضَها
شَمْعَةً
تُبَيِّضُ سَطْحَ غَدي.."
جاء النص على شكل سطور مُتباينة من حيث عدد المفردات تنتهي كلها بفراغ من بياض على مساحات غير متساوية وكأن كل بياض يخفي "مَسْكوتاً عنه" تم القفز عليه بغية "التكثيف" في الفكرة او الصورة، والتنويع في الإيقاع حتى اصبح من الصعب أن نصنف يقينا هذا النوع من البناء؛ شعر ام نثر؟ قصيدة النثر؟ شعر حر؟ نص حداثي/ حديث يتحرر من كل القوالب التقليدية ويتوق للضوء داخل سياق سؤال كتابة شعرية تكتنفها الضبابية المتعمدة ابتغاء لجمالية الغموض.
2 ـ العلامة الثانية: الصورة الضوئية (سيمياء الضاب)
يقول الفيلسوف الألماني كانط: 
"إن العاطفة بدون الصورة عمياء، والصورة بدون العاطفة جوفاء". ومعه نتساءل، والسياق هذا النص (قبضة الضباب) للشاعر المغربي جمال أزراغيد:
ـ كيف تكون العاطفة والصورة مُضَبَّبَة؟ وكيف تكون الصورة والعاطفة قاب حُرقة أو أدنى؟ باعتبار ان الضباب كما ورد في لسان العرب "سحاب يغشى الأرض كالدخان، يصير كظلمة تحجب الأبصار"؛ فلا هو عتمة، ولا هو نور وإشراق. ما يجعل نفسية الشاعر مرتبكة تتوق إلى الأضواء. 
تكررت مفردة "ضباب" مرتين ("قبضة الضباب"/ العنوان، و"قيضة الضباب" س. 6) ليتخذ شكل صُوّر بمثابة لوحات تشكيلية لتمظهرات القلق داخل وجدان الشاعر؛ فنراه كما "انفلات القمر" س. 5، و"مِرْآةٍ تَرتَقي سُلّمَ المُبْتَغى" س. 9، و"الضّوْءُ عَلى صَدْري يَميلُ نَحْوَ مَصَبِّ الذِّكْرَيات" س. 14. قلق وجودي بامتياز يولده لدى الإنسان المعاصر التفكير في تيمتي القدر والموت. وفي غياب وضوح الرؤية تتناغى الذات الشاعرة وأصوات تنبعث من الذاكرة لتحل الصورة الصوتية محل الصورة الضوئية؛ نقرأ:
"والضّوْءُ عَلى صَدْري يَميلُ نَحْوَ مَصَبِّ الذِّكْرَيات"... س. 14
" بِاتِّجاهِ نَهْرٍ/ يَتَذَكَّرُ ـ جَهْرًاـ مَجْراهُ في دَمي.." س. 18 و19.
3 ـ العلامة الثالثة: الصورة الصوتية:
أ - الإيقاع الداخلي: 
لا تكتمل الصورة الخطية إلّا وهي منطوقة على شكل صورة صوتية لأن الأصل في الشعر ان يكون شفويا. وليعزز الشاعر جمال ازراغيد هذا الطرح، لجأ إلى تقنية "اللازمة" كما في الشعر الغنائي؛ كرّرَ "هنا/ في التراب..."  مرتين (السطر رقم 1 و2  والسطر 20 و21 ")؛ ظاهرة صوتية تسمح بتقسيم النص إلى فقرتين من حيث الصورة الخطية (لا يفرقهما بياض من فراغ)، وبالتالي إلى إيقاعين من حيث الصورة الصوتية؛ وكأن النص بسيناريو من مشهدين غنائيين كما في تراتيل قداس شاعر.
ب ـ "إيوزطوبيا" الغناء (Isotopie)، ونقصد بها تناظر المفردات والعبارات بتكرار أو بتوظيف المترادفات المنتمية لنفس الحقل المعجمي والدلالي؛  نقرأ في الفقرة 1/ المشهد الأول: ( "أنْ أغني" س. 3، و"صوت الشجر" س. 4، و"يستصبح بأنغام" س. 7، و"سُلَّم المبتغى" س. 9، و"موسيقى البهاء" س. 10، و"نهر يَتَذَكَّرُ ـ جَهْرًاـ مَجْراهُ في دَمي" س. 18 و19). "إيزوطوبيا" توهِمُنا بأجواء احتفالية كلها تراتيل فرح، لكن الشاعر يفاجئنا آخر الفقرة/ المشهد كما في "كونشيرتو" بتقهقر المقام الموسيقي لتنهار النوتات من إيقاع البهجة والغبطة لتسقط في هاوية الفقد لما تتحول كل هذه الأنغام والأهازيج إلى ما يشبه الأناشيد التأبينية؛ نقرأ:
" يَتوقُ لِأَحِبَّةٍ
سَقَطوا
على صَفْحَةٍ تُجَرْجِرُ نَفْسَها
بِاتِّجاهِ نَهْرٍ
يَتَذَكَّرُ ـ جَهْرًاـ مَجْراهُ في دَمي" (س. من 15 إلى 19). (نهاية المشهد الأول).
ومع بداية المشهد الثاني يتغير إيقاع النص برمته؛ فتعود اللازمة طقس وجداني أكثر تشاؤما:
" هنا
في التّرابِ،أبْحثُ في كَهْفِ الأَساطيرِ
ما وَجَدْتُ غَيْرَ أسطورَةِ جَسَدٍ
لَفَّتْهُ أصْداءُ المَلَلِ" (س. 20 إلى 23).
فتتحول الصورة الصوتية إلى صراخ ينبعث من ذات شاعرة متذمرة ومنتفضة سئمت من الأحلام التي تؤثث الصمت والظلام بأغاني وأضواء زائفة كما الرؤية في عز الضباب؛ يتمرد الشاعر على كل من سواه ويكتفي وسط قلقه وخوفه وتوجسه بمحاربة الصمت ب "شمعة" لا تضيء إلا نفسها (ذات الشاعر) لتعيش القصيدة؛ نقرأ: 
" صِحْتُ عَلَيْه:
لا عِلْمَ لي بِأَحْلامِكَ
المَذْعورَةِ مِنْ شَبَحِ الصَّمْتِ
بِالْكادِ، أَتْرُكُ بَعْضَها
شَمْعَةً
تُبَيِّضُ سَطْحَ غَدي.." (س. 26 إلى آخر النص)