بهجت العبيدي يكتب : كيف تصنع إنسانا مسلوب الإرادة عاجزا؟!

بهجت العبيدي يكتب : كيف تصنع إنسانا مسلوب الإرادة عاجزا؟!
بهجت العبيدي يكتب : كيف تصنع إنسانا مسلوب الإرادة عاجزا؟!

 

 

ليس على المرء أن يبذل مجهودا كبيرا، بل عليه أن يطوف بعينيه، حتى ولو بدون تمعن، فيما يتم تداوله من قضايا تشغل الرأي العام العربي والمصري وفيما يتم طرحه من قضايا من خلال الصحافة والإعلام في منطقتنا عموما وفي ومصر على وجه الخصوص، ولن يجد ذلك الإنسان أدنى صعوبة في الوصول لنتيجة قاطعة بأن العقل العربي عموما والمصري على وجه التحديد يعيش حالة من التيه لم تمر بها سوى تلك العقول التي تعيش في حالة غيبوبة تامة. 

فقليلة هي تلك الأخبار التي يمكن أن تشغل العقل الواعي، ونادرة هي تلك الموضوعات الرصينة التي يمكن أن تخاطب إنسان هذا العصر الذي نعيش فيه، ولقد تخلت المؤسسات المختلفة المعنية عن دورها التوعوي وبحثت وسائل الإعلام عن التوافه من الأخبار وعن كل ما يدعو للإثارة ونشرته، وبعدت مسافات بعيدة عن دورها في فتح أعين الناس وعقولهم لاستقبال كل خبر ووضعه تحت مجهر الدرس والبحث والتمحيص.

ولأن مجتمعاتنا مازالت تعيش في طور الطفولة العقلية فإن أبنائها لا يستطيعون اتخاذ أي قرار في أتفه الأمور دون الرجوع إلى من يوجههم لهذا القرار أو ذاك، ولأن عقل أبناء مجتمعاتنا لم يشب بعد عن الطوق كما يراه كل صاحب سلطة، فإن على أبناء هذه المجتمعات أن تبحث عمن يمسك بيدها حتى لا تقع في هوة سحيقة يصورها لهم أصحاب السلطات المتحكمة 

 فإذا نظرنا إلى كم الأخبار أو الموضوعات التي تخرج عن رجل الدين في منطقتنا العربية فإننا نذهل من كم السفه والتفاهة الذي يشغل الرأي العام ومن ثم يتوجهون فيه بأسئلة لرجال الدين الذين لا يفتأون يقدمون الإجابات الأكثر تفاهة وسذاجة، وكأني هناك بمن يريد الاستمرار في السيطرة على العقول بكل وسيلة ممكنة وبكل سبيل متاح، فلم نجد رجل دين مرة ينهر أصحاب التساؤلات "الخائبة" بأنكم أعلم بأمور دنياكم، وأن عليكم أن تستخدموا عقولكم، ليس في التافه من القضايا فحسب، بل في أعمق القضايا، فلم يقم الشارع بتكليفكم وتحميلكم الأمانة إلا لأنكم تمتلكون العقل الذي تستطيعون به التمييز.

بل أكثر من ذلك فإن أصحاب السلطة الدينية يواصلون الاستيلاء على مزيد المساحات شبه المنعدمة من الأساس ليجردوا "العوام" من البقية الباقية في قلوبهم أو عقولهم، ليصبحوا بلا أدنى إرادة أو استطاعة.

ولتأكيد ذلك لعله من المناسب هنا أن نتوقف عند ما خرج عن أحد علماء الأزهر الشريف في دار الإفتاء المصرية الذي رفض أن يستفتي المسلمون قلوبهم، حيث أكد أن هذا لا يصح إلا للعلماء، فهم فقط الذين يسمح لهم أن يستفتوا قلوبهم، أما ما أطلق ويطلق عليهم العوام، فليس لهم الحق في ذلك، وكأني بهؤلاء الذين يطلق عليهم العوام لا قلوب لهم ولا فطرة سليمة لديهم، وفوق ذلك لا عقل لديهم، وعليهم أن يعودوا للكهنوت الديني، الذي زعموا يوما أنه ليس موجودا بالإسلام. 

ونحن هنا نسأل هذا الشيخ الذي أطلق هذا الحكم على "العوام": كيف يكون العلماء هم فقط المسموح لهم باستفتاء قلوبهم، إن كان هم المنوط بهم الفتوى من الأساس، وعلى "العالم" الديني أن يكون صاحب منهج في البحث والقياس ليصل إلى الحكم الصحيح أو الفتوى الصواب عبر البحث الدقيق في القرآن الكريم فإن لم يجد ففي السنة النبوية المشرفة فإن لم يجد ففي القياس فإن لم يجد فله الاجتهاد عندئذٍ وكل ذلك يلزمه إعمال العقل إعمالا تاما متجردا عن كل هوى.

لم يقف الأمر عند هذه المساحة التي كانت متاحة للبسطاء من المسلمين، فإن هناك مساحة أخرى يريد الاستحواذ عليها "العلماء" هذه المرة في تكميم الأفواه حيث خرج علينا "عالم" أزهري آخر مُعَنِّفا لنا – نحن العامة – لو تجرأ أحدنا وطلب دليلا على الفتوى الذي تصدر عنه وعن من هم مثله من "العلماء"، مع اعتراضنا على لفظة عالم لكل متخصص في أي فرع من المعارف من مثل الأديان أو الاجتماع أو القانون أو الاقتصاد أو غير ذلك مما ليس من العلوم التجريبية الصلبة.

 نواصل: لقد عَنَّف هذا "العالم" العوام الذين يمكن أن يتجرؤوا ويطلبون الدليل الشرعي على الفتوى التي تصدر لهم، مشبها هؤلاء بالمرضى، مردفا: هل يسأل المريضُ الطبيبَ الذي يعالجه عن أسباب وصفه لهذا العلاج أو ذاك وعن الأسباب التي دفعته لهذه الوصفة الطبية أو تلك؟!. 

فعلى الرغم من عدم وجود وجه شبه يحاول الشيخ أن يستحضره عُنْوَةً فإننا نتبرع هنا ونخبره أنه نعم يمكن للمريض أن يتناقش مع الطبيب في كل شيء، بل يمكنه أن يرفض العلاج الذي وصفه له وأن يقترح عليه علاجا آخر وهو في كل ذلك يجد سعة صدر من الطبيب والذي هو متخصص في علم صلب تجريبي، والأكثر من ذلك فإن الأطباء في الدول المتحضرة، وأظن ذلك ينسحب أيضا على بعض الأطباء في دولنا، يقوم بشرح وافٍ للمريض عن حالة المرض الذي يعاني منه ويعرض عليه طرقا مختلفة للعلاج ليختار منها ما يراه مناسبا، فهل تتفضل مشايخنا بعرض كافة الآراء "طرق العلاج" في كل قضية تعرض عليها، ونضرب هنا مثالا: هل ولو مرة واحدة عرض المشايخ الآراء المتعددة في الخمر؟ هل تحدث أحدهم مرة عن رأي الإمام أبي حنيفة في هذه القضية؟!، هل خرج أحدهم مرة للحديث عن الفرق بين النبيذ والخمر؟!، هل ذكر أحدهم مرة ما هو المحرم منها عند الحنفية؟ أم أنهم جميعا يذكرون المشهور في ذلك من أن ما كان كثيره مُسْكِر فإن قليله حرام ومن اللعن الذي يصيب شاربها وحاملها والجالس في مجلسها؟!... هذا لا يعني أننا ندعوا لاحتساء الخمر، ولكن فقط لنظهر أن المشايخ نصبوا أنفسهم أوصياء على "العوام" والذي ينظمون فيهم حتى أساتذة الجامعة ممن لم يدرسوا المعارف الشرعية. 

ولنضع بين يدي القارئ الكريم هنا رأي الحنفية حيث قال ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد: وأما الأنبذة فإنهم اختلفوا في القليل منها الذي لا يسكر، وأجمعوا على أن المسكر منها حرام فقال جمهور فقهاء الحجاز وجمهور المحدثين: قليل الأنبذة وكثيرها المسكرة حرام، وقال العراقيون: إبراهيم النخعي من التابعين وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وشريك وابن شبرمة وأبو حنيفة وسائر فقهاء الكوفيين وأكثر علماء البصريين: إن المحرم من سائر الأنبذة المسكرة هو السكر نفسه لا العين، وسبب اختلافهم تعارض الآثار والأقيسة في هذا الباب. 

وهذا النص منقول موقع إسلام ويب في سؤال حول هذه المسألة في تاريخ الأربعاء 26 شعبان 1432 هـ - 27-7-2011 م، والذي أكد أن هذا الرأي مرجوح لا يلتفت إليه.