الحُـبُّ في الشعر السعودي بقلم أ.د أحمد فرحات

الحُـبُّ في الشعر السعودي بقلم أ.د أحمد فرحات
الحُـبُّ في الشعر السعودي بقلم أ.د أحمد فرحات
 
الحب لدى الشاعر المدني عبد السلام هاشم حافظ نتاج تربية دينية إسلامية صافية، امتزجت فيه التعاليم الدينية بروح إنسانية، فنتجت عنها هذه العفة التي كانت أساس التجربة العاطفية لديه، وكان الخوف من الوقوع في الذنب الميزة الأساسية التي اتسمت بها هذه التجربة. فالشاعر " نفس ممزقة بين الانجذاب المادي للجسد الأنثوي من حيث هو غواية، والتعلق الروحي بالمحبوب من حيث هو إنسان بالروح قبل أن يكون جسداً) ( "؛ لذلك نجد "في كثير من الأحيان يأخذ الخوف من الذنب شكلاً لا شعورياً يتبدى بصورة أساسية في التسليم المسبق بالعفاف العشقي.. إن تشبث العذريين بمقولة العفة ليست إلا النتاج الحتمي للخوف من السقوط في الذنب، بل هي الدرع الواقي الحاجز بين الفرد والإثم) ( ".ويصرح الشاعر بأن حبه خال تماماً من الشهوة، وممزوج بالعفة التي هي قرين روحه، فيقول: 
يا أختُ إنِّي إنْ عشقتُ فَعِفَّتي    
أبداً معَ الحبِّ الأكيدِ هي الأزلْ
وترتبط بالعفة معاني الصفاء، والنقاء، والنجاة، والبراءة، والسلامة؛ فيقول واصفاً حالته النفسية الراضية بعد غواية حواء له: 
برئتُ وفي النفس صفوٌ قريرْ
وقلبي يهللُ لي بالنجاةْ
ظفرتُ، وعدتُ نقيَّ الذيولْ
سلمتُ من الغانيةْ 
 إن البراءة، وصفاء النفس، وتهلل القلب، كان نتيجة سلامته من إثم الغانية. وعلى هذا يمكننا أن نقول: " إن تجربة الغزل من أكثر التجارب الشعرية استيعابا للمضامين الإنسانية، حيث يتخذ منها الشاعر وسيلة للتعبير عن هموم الإنسان المعاصر، والكشف عن خلجاته النفسية، ورؤيته الاجتماعية، فلا يكون متوجهاً نحو نموذج فرد، وإنما يتخذ الشاعر من هذا النموذج الفرد أداة لبث لواعجه الذاتية ورؤيته للكون والإنسان.) (" وشعر الحب لدى شاعرنا هو « نفثات مصدور وبوح أحاسيس في مختلف معاناتها، وهو كذلك أحلام شاعر يتضوَّر بآلامه ويشعر بعذاب الآخرين، فلا يملك إلا أن يجأر بشكواه في همس وفي لوعة، وفي صراخ صامت، وهو يتجه بكل شعوره وحريق إحساساته إلى مصدر الجمال والحب، ويتطلع في لهفة الظامئ إلى النبع الأصيل لهما في ملكوت الله الأعلى..) (» وهو شعر نابع عن تجارب صادقة، اكتوى الشاعر بلهيبها حتى استحالت تجارب ثرية تمثل أسمى العواطف.
والحبُّ أفهمهُ وسيلةَ غايةٍ روحيةٍ يزهو بها القلبُ العميدْ
 الحبُّ باعثُ عِزَّةٍ وقداسةٍ   وتآلفُ الأرواح والودِّ الأكيدْ
الحب – كما يفهمه الشاعر إذاِ – وسيلة لغاية أسمى، فهو باعث العزة والقداسة، وتآلف للأرواح، وهذه معانٍ تسمو بالإنسان إلى عالم روحي أرحب من العالم المحسوس الذي يعيشه. ولذا طفق الشاعر – عبثا – يبحث عن الحب في هذا العالم فلم يجده، فراح يلتمسه في عالم الشعر الذي هو أشبه بعالم الخيال والأحلام، فسبح الشاعر في تيه الفكر ولم يستطع إلا أن يصور آيات الحب في عالم الشعر الرحب. والشاعر يؤمن بأن الحب " روحانية ستظل دائما تبحث عن مثالية الجمال والحسن فلا تجدها إلا في آفاق الخيال ثم في أجواء الوطن( ) ". وقد تجلت مظاهر الرومانسية في شعره على غرار ما ظهرت عند الشعراء الرومانسيين العرب في صورة تعبير ذاتي عن شعوره في إطار تلك التجربة العاطفية) (. 
لم أعرفِ الحبَّ إلا لوعةً وضـنىً
فتشتُ عن أملي المفقـودِ لم أره
صورتُ آياتِه الغراءَ في ورقـي
واسترحمَ الشعرُ أعراساً مُغَرِّدةً
لكنها قفزتْ للتيهِ واشــتعلتْ
 بل شِقْوةً واحتـــــراقا وأسى
ولم أجدْ طيفَ أحـلامي البريء هنا
لحنَّتُه للخلدِ شوقًا ضــارعاً ومُنى
صوبَ الغديرِ فيــزدانُ الربيعُ سَنا
في النفسِ ذكرى شبابٍ هدَّهُ النصبُ
في ضوء الفهم السابق لمفهوم الحب لدى شاعرنا يمكننا القول بأن الشاعر« قدَّس الحب ولم يعثر على شبح من صفوه »؛ بل كان نصيبه منه " خيال ولوعة، وليس الوصل والطرب". وهو بهذا المعنى يدنو من الشعراء الصوفيين الذين أضناهم البحث عن الحب في الأرض فنشدوه في السماء. 
هذي مجاني حياة الفَنِّ جَاءَ بها   حُــزْنٌ وشـــكوى وآلامٌ بنا تفدُ
في رحلتي لسماءِ الحبِّ أنشدُها   تِلْكَ التي لم أجدْهَا والصِّبا لَعِبُ
أحب الشاعر الحب معنى ولفظا، أحب الوجود والبشر، أحبَّ...ليشعرَ بنور الحقيقة، وكأن الحبَّ الآدمي في كِفَّة، ونور الحقيقة ( العالم المثالي ) في كِفَّة أخرى، والطريق إلى هذا العالم المثالي هو:
أحبُّ لأسمو بكينونتي  لأشعرَ دوما بنور الحقيقة
بحــلمي مع الذكريات   وتلك المـجاني الرقيقة
ارتبط الحب بمعاني الوفاء والتضحية، والخُلْد، والرضا، والفداء، وأصل البقاء..وغيرها من المعاني السامية؛ ولذلك تبدو عاطفة الحب عنده " وكأنها تجربة روحية ترتبط بمعاني الطهر والصمود أمام الشهوات، ويسمو الشاعر فيها بخياله إلى عالم نورانيّ من الأحلام.. والأوهام، متخذا من حبه مجرد إلهام لموهبته لترقى إلى ما يستطيع من رحاب الروح والفن) ( " فالحب عنده كما قيل امتحان من الله للناس ليأخذوا أنفسهم بطاعة من يحبون، وليكون هذا مدخلا لحب أكبر هو حب الله ) ( " والوطن. 
فيقول) 
فما الحبُّ إلا نداءُ الحياهْ  وإني أحبُّ وحُبي ثورهْ
يُصـورُ للخلــدِ شِــعْره  وينفثُ للناسِ سِحـْره
هوَ الحبُّ معنى الرِّضَا والفداءْ
وَأَصْلُ البقَاءِ و تضحيةٌ في وفاءْ
لهذا أُحِبُّ..... وحُبِّي سناءْ
لأنِّي أحيا........ لأنِّي بشَرْ
ويبدو أن المرض الذي ألمَّ بشاعرنا كان دافعا لهذا الحب القدسي الذي تغنى به الشاعر كثيرا. فالشاعر كان مريضا بداء القلب، أنهكه وأضناه، " والألم محور جوهري في تجربة الحب وفي صورته الفنية) ( " وكان ملازما للشاعر طوال حياته وطالما آلمه المرض، وأحس الشاعر بدنو أجله، فكان يتجه إلى الحب في أسمى صوره ومعانيه، ويعده أجلَّ ما وهب الله للبشر. بالإضافة إلى ذلك نشأته الدينية التي نشأ عليها الشاعر بالمدينة المنورة قرب الرسول. فهذان العاملان هما المؤثران في لواذ الشاعر إلى ذلك الحب القدسي العفيف فيقول) 
أجــلُّ ما وَهَــبَ الإلهُ للبشر      
الحبُّ أسـمى معاني الحسِّ والفِكَرِ
الحب عاطفةُ الأجيـالِ تمنحها     
سِرَّ البقاء مَـدى الأحْقابِ والعُصُرِ
 ولا نعجب – إذن – أن نراه يوجه حبه كله إلى خالقه) 
والحُبُّ في اللهِ إِنْسـَانيّةٌ شَـــرعَتْ    
رمـزَ الإخاءِ... مع الآلاءِ والزَّهَـرِ
والـحبُّ للــربِّ تسبيحٌ ومنطلقٌ  
في العَالم الأرحـبِ المخـضلِّ بالثمرِ
والحــبُّ حُلْمٌ يحثُّ القـلبَ ثانيةً    
وهْـــوَ الحياةُ تَمدُّ العمرَ بــالصُّورِ
لا يأسَ فيها ولا الإظلامُ يُدْركها    
فــالحبُّ هدْيٌ وأضواءٌ من الــقدرِ
 كما لا نعجب إذا وجه حبه لوطنه، الذي تغنى كثيرا بأمجاده، وعرف فيه معنى الحب الحقيقي " إذ الحب في معناه السامي الواسع هو ائتلاف روحين وقلبين..) ( " ففي قصيدة " أخلد حب " يقول ) 
حبُّ قلبي والأحاسيسُ الكبارْ   وغرامُ الروحِ والشوقُ المثارْ
لهفــةُ الصـــادي لينبوعِ النهارْ   ومُنى المحرومِ في ليلِ الإسارْ
كلُّ هذا لحبيبي.. لوحيدي في الغرامْ
أو إلى الأندلس التي هام بأرضها)  
الحـبُّ كنــتُ عرفـته بنـــدائه     
تُغـــري بنا أوطارُه وورودُها
وخَبــَرْتُهُ وهـماً يُعْربدُ في الرُّبا   
أســـرارَ قلبٍ راوحتْه قيودُها
حتى إذا ناجى ( بقرطبة ) المنى    
بشبابهـــا..دارت عليَّ قيودها
أحببتُ أندلساً وهِمْتُ بأرضِهـا    
وخَشِيْتُ يأسرني هناك نشيدُها
ولو أن شاعرنا استمر على هذا النهج لخلناه شاعرا صوفيا، بيد أنه تغنى بالمرأة الرَّأدة جسدا وفتنة وأوصافا حسية دون أن يلمس الجانب النفسي فيها. فوجدنا لدى شاعرنا شعرا يتسم بطلب المتعة، ومرضاة الشباب، والظفر بلذات الحياة في عهد الصبا. فـ ( المايوه ) العربيد يشرب من الجسد البض كاسات المحبة في جنون، بل إن " مياه البحر تشرق من ملامسة الروائع والفتون"( (.
يا هيكلَ الحسنِ البهــيِّ أثرتَ الخواطرَ والحنـينْ
ولجسمكِ الفتان ثورتُه الطليقةُ بالزوايا والفـــنون
( مايوهكِ ) العربيدُ يشربُ منه كاساتِ المحبةِ في جنونْ
ومياهُ البحرِ تشرقُ من مُلامسةِ الروائـــعِ والفتونْ
وإذا كان " العرف الشعري الذي استقر في لغة الغزليين يتمثل في تمجيد البراءة والتغني بالطهر والبكارة وتمثيلها دائماً مصدر النشوة والهيام) ( " فإن عبد السلام هاشم حافظ يعمد إلى التجربة الحسية في صورة مستفزة إلى حد ما، ففي قصيدة " شقراء ") ( نراه يصف الشَّعر، والثغر، والصدر، والعينين أوصافا حسية فيقول: 
في ثغرك الوردي شهد صبابتي       
وبصدرك الرجراجِ أغنيةٌ تضوعْ