حسني حنا يكتب : العلامة جبر ضومط ... صاحب رسالة ورائد جيل

حسني حنا يكتب : العلامة جبر ضومط ... صاحب رسالة ورائد جيل
حسني حنا يكتب : العلامة جبر ضومط ... صاحب رسالة ورائد جيل
 
"لم يحقق العظماء والعباقرة أشياء عظيمة ، لو لم يحركهم هدف عظيم ".
* Ralph Emerson
 
 
ولد جبر ضومط ونشأ في مدينة صافيتا Safita القريبة من الساحل السوري ، المتربعة فوق ثلاث تلال مشرفات ولا أحلى ، تطل على البحر المتوسط من بعيد ، كما تطل على جبال لبنان، وتشتهر ببرجها الأثري الذي يعود الى زمن الفرنج ، وبكروم الزيتون والعنب، وبأبنائها الذين قرعوا أجراس المعرفة فى وطنهم ، وفي بلدان الاغتراب ، ومنهم رواد في العلم والأدب والفن ...
 
نشأة جبر ضومط
في بيت متواضع ولد جبر ضومط عام  (1859) ويذكر خير الدين الزركلي، أن أصل الأسرة من منطقة قلعة الحصن، توفي والده ، وهو لم يكن قد تجاوز الثانية من عمره ، فا هتمت والدتة بتربيته.
وفي سنة (1865) اسس الأمريكان مدرسة في صافيتا ساهمت فى محو دياجير الظلام المخيم في ذلك العهد ، في ظل الحكم العثماني المتخلف .
وقد اشتهر من معلميها المعلم سليمان الحلو ، والمعلم ابراهيم جبور صاحب الفضل على عدد كبير من أهالي المدينة ومنطقتها . وقد ارسلت الام ابنها إلى هذه المدرسة الجديدة، حيث ظهر نبوغه وتفوقه ، وفي عام (1869) وصل إلى صافيتا المعلم يعقوب صروف ، ليعلم في مدرستها تلك، وكان تأثيره كبيراً على الطالب جبر ضومط، وفي عام (1870) ذهب جبر ضومط ، وعمره أحد عشر عاماً ، إلى مدرسة (عبية) في قضاء عاليه في لبنان، وفيها قضى سنتين دراسيتين..
 
في الجامعة الأمريكية 
في عام (1872) جاء جبر ضومط الى الكلية المسورية (الجامعة الأمريكية ) في بيروت. بعناية الدكتور صموئيل جسب Gospe ، وبعد اربع سنوات نال جبر ضومط شهادة البكالوريوس في العلوم في عام (1876) . 
 
جير ضومط المعلم
بعد تخرجه صار جبر ضومط معلماً في مدرسة حمص الأمريكية ثم التحق بمدرسة طرابلس الأمريكية ، حيث عمل لسنوات حافلة بالعطاء وفي عام (1884 ) سافر الى الاسكندرية في مصر ، وعمل في تحرير جريدة ( المحروسة) التي كان يصدرها سليم النقاش، وبعد عودته الى بيروت سافر مع رفيقه جرجي زيدان الى بريطانيا حيث ترددا على مكتبة المتحف البريطاني، وبينما عاد جرجي زيدان إلى مصر، ذهب جبر ضومط، ليعلم اللغة العربية والفلسفة في مدرسة كفتين قرب طرابلس لمدة ثلاث سنوات. وقد قال عنه خير الدين الزركلي في موسوعة الإعلام أنه خدم اللغة العربية تدريساً وتأليفاً مع علمه بالانكليزية والعبرية والسريانية، وقد وصفه أحد تلاميذه بأنه شاب ممتلئ الجسم قصيره ، صبوح الوجه ، أسمر اللون ، تعلوه  ابتسامة الوداعة، و يكالمه رونق التهذيب.
 
 التدريس في الجامعة الأمريكية
في عام (1889) انتدبته الجامعة الامريكية في بيروت، لتدريس اللغة العربية والفلسفة فيها ، فقام بإدارة الدروس العربية وأعباء التعليم على مدى يزيد على اربعة وثلاثين عاما وقد تخرج على يديه¬ مئات الطلبة ، حتى أحيل على التقاعد في عام (1923) لكنه ظل يعمل في حقل التأليف والكتابة حتى وفاته في تمام (1930) .
 
مؤلفات جبر ضومط
ألف جبر ضومط العديد من الكتب في التعليم واللغة العربية على نحو جديد ، منها على سبيل المثال :
- الخواطر الحسان في المعالي والبيان (1896).
- فلسفة البلاغة (1898)
- اللغة العربية ومقامها بين اللغات السامية (1912) .
فلسفة اللغة العربية وتطورها ( 1929) وهو من أهم كتبه . كما نشر مقالات عديدة في مجلات ( المقتطف .الهلال. المجمع العلمي والفجر وغيرها).
 
 آراؤه ونظرياته في اللغة
لم يقتصر عمل جبر ضومط على ما كتبه المؤلفون الذين سبقوه ، ووضعه في قوالب جديدة ، بل كان يُعمل فكره ، ويبحث ويستنتج، ويستند إلى البراهين الفلسفية ، فأحدث ذلك ضجة كبيرة في الأوساط اللغوية العربية ، وتصدى له المحافظون بالنقد والرد والتعليق . وقال عنه الدكتور يعقوب صّروف :
"لقد أضاء جبر ضومط في البحث اللغوي والتأليف مشعلاً وهاجاً ولكن المؤسف أن المشعل الذي اضاءة حملة مدة حياتة قد انطفأ بموته في عام 1930 "
ويرى ضومط أن اللغة العربية قد اعتراها التغيير والتبديل فتغيرت تغيرأ كبيراً على ألسنة المتكلمين بها في مصر والشام والعراق و بلدان المغرب إلا أن هذا التباين يكاد يكون محصوراً في الكلام الدارج ، وقلما يتناول الكتابة، ويحتمل ان يزول أكثره بعدما سهلت سبل الاتصال ،وانتشرت الجرائد والمجلات ، كما يرى أنه قد دخل اللغة العربية كثير من لغات الأقوام التي صارت العربية لغتهم، أوالذين نقلت العلوم من لغاتهم إلى اللغة العربية، وقد كان هذا الدخيل كثيراً في اللغة العربية قبل الاسلام وبعده ، ويرى أن اللغة العربية كانت ولا تزال لغة حية نامية ، لذلك لا يخشى العلامة جبر ضومط أن تدخلها ألوف من الكلمات ،التي لا يمكن إلا ان تزيدها غني، ولها اسودة بذلك في سائر اللغات ، فالكلمات تتنازع البقاء مثل الأحياء ، ولا يبقى منها الا ما ينفع الناس.
 
حماسه للغة العربية
قال خبر ضومط : " لو كان لي من الأمر شيء وعندي مال ، لأنفقت على تعليم العربية، أوقل على تعزيزها، في الصين والهند وتركستان، وأكون مع الايام الرابح أدبياً ومادياً". ويرى ايضاً أن اللغة العربية من أغنى لغات الأرض بكثرة الفاظها ، واتساع اشتقاقها ، وهو يدعوا الطلاب العرب إلى إعطاء لغتهم حقها من الدرس.
 ولم يقصر جبر ضومط جهوده على اللغة العربية ، بل كتب في تاريخ العرب والاسلام ، ونشر أبحاثه ومقالاته، في العديد من المجلات العالمية ،و كان دأبه تحكيم العقل علي في كل ما كتب.
 
رسالة الشيخ محمد عبده
وردت على جبر ضومط رسائل عديدة، عندما أصدر كتاب ( الخواطرالعراب في النحو والإعراب) لأول مرة عام (1904) تهنئة به ، وتظهر اعجابها بهذا الكتاب ، منها رسالة ( الشيخ محمد عبده ) مفتي الديارالمصرية مؤرخة في (1/3/1905) نقتصر منها على ما يلي : "الادبيب الفاضل جبر افندي ضومط :
أبطأتُ في إجابتك ، وقصّرتُ في الإسراع إلى شكرك ، لما أتحفت به أهل لغتك من ذلك الكتاب الذي تجلى فيه وذكاؤك ، واعتدال رأيك في أحسن صورة .. 
 
تكریم جبر ضومط
لم ينل جبر ضومط حظاً وافراً من التكريم في بلده إلا منذ زمن بعيد، حيث لا يوجد اليوم مايذكرنا بإسمه ، فلا شارع ولا حديقة أو ساحة ولامكتبة أو مركز ثقافي تحمل اسمه ، خاصة في مدينته صافيتا . بينما نال الكثير من التكريم خارج وطنه . فقد انتخبه المجمع العالمي العربي عضواً فيه . وأهدته الحكومة الانكليزية وساماً رفيعاً ، وكذلك الحكومة اللبنانية التي منحته وسام الاستحقاق اللبناني، وأهدته الحكومة السورية وسام الاستحقاق السوري منذ عقود. وأقيمت له الحفلات التكريمية ، وقال فيه تلميذه فارس الخوري : "إن قومنا يعرفون فضلك على هذه اللغة ، بما أرصنت . من قواعدها، وأوجزت من أساليب تعليمها ، فقربت قاصيها . وروضت عاصيها ، حتى صار درس السنة يقضى بشهر ، وفرض اليوم يقضى بساعة . وهم يحفظون لك الذكر ، بما لقنت الأبناء من الأدب والبيان، ويشكرون لك الجهود ونيابة عن المجمع العلمي العربي بدمشق : أعرب لحضرات المحتفلين الكرام، عن اشتراك اعضائه العلماء الأعلام ،في يوبيل هذا الاستاذ الجليل ، وقد كلفني رئيس الحكومة أن أبلغ تحيته الطيبة ، وتهنئته الخاصة لحضرة الأستاذ المحتفى به . وعما قليل سيكون صدر الاستاذ ، رمزاً لاجتماع الشعار السوري مع الشعار اللبناني ، فلا يكون أحدهما بعيدا عن الآخر ..."
 ومن كلمة الدكتور دودج Bayard Dodge رئیس الجامعة في يوبيل جبر ضومط : "أن أسلوب الأستاذ جبر ضومط في معالجة المواضيع الخاصة بعلوم اللغة كأسلوب ابن خلدون في معالجة فلسفة التاريخ، فكل منهما رفع مستوى العلم الذي اشتغل به؟ باعتماده على النقد والاستقراء ، وبيان ما في الوقائع و القواعد من الأساليب والنتائج ".
 
 وفاة جبر ضوسط
توفي جبر ضومط في مدينة بيروت في عام (1930) وقد أقيمت له الحفلات التأبينية والتذكارية في لبنان والمهجر، ورثاه الكتاب والشعراء والقراء ، ونعته الصحف في كل البلدان العربية ، وقد نظم الشاعر معروف الرصافي في رثائه قصيدة منها هذه الأبيات :
" بكى الفضل لما أن قضى نحبه جبرُ.
وليس لكسر الموت في طُبّنا جبرُ .
على اللغة الفصحى أياديه جّمةُ.
وآثاره في نشر آدابها غُرُّ.
وما كان يُبدي الرأي فيها مُقلّد
ولكن له الابداع والفِكَرُ البكرُ
يشقُّ حجاب المشكلات برأيه
كما شق يرد الليل مُذ طلع الفجرُ.
ومن كلمة الشيخ محمد الجسد :
أيها السادة : " انظروا الى غرض الفقيد الأسمى، فيما كان يكتبه في فقه اللغة ، تروا شدة حرص على ارجاع كل شيء من المستحدثات الى أم اللغة ،حتى إذا أعياه البحث، مال الى التعريب ، فإليك يا ابن صافيتا شكر وطنك وذويك ، يا ابن اللغة العربية شكر الناطقين بالضاد في جميع هذه البلاد ...".
ومن كلمة عمدة الجامعة :
"و بوفاة العلامة جبر ضومط ،تنطوي حياة أول معلم وطني تولى التدريس ، وترقى كرسي الأستاذية الكاملة في الجامعة الأمريكية في بيروت، ولد في صافيتا ومات ليل الأحد 29 كانون الثاني 1930."
كتب عنه كثيرون بعد وفاته منهم الدكتور جرائيل جبور ، والاستاذ حليم سلوم والأستاذ عيسى فتوح في موسوعه (موسوعة الأدباء العرب المعاصرين ) الصادرة عن مكتبه لبنان في بيروت عام (2018) .
هذا غيض من فيض عن العلامة جبر ضومط، ابن مدينة صافيتا العصامي اللغوي المدقق ، والنحوي المحقق أحد أركان النهضة اللغوية في بلاد الشام ،الذي خدم بلاده ومواطنيه ، وكفى بهذا القدر شاهداً على علو منزلته في عيون جلّة العلماء من أهل عصره.