الكلمة موقف فارسها القلم بقلم د.أنور ساطع أصفري

الكلمة موقف فارسها القلم بقلم د.أنور ساطع أصفري
الكلمة موقف فارسها القلم بقلم د.أنور ساطع أصفري
 
الأقلام الصادقة الوفيّة التي تبتغي النبل في العطاء الإعلامي والسياسي والفكري والثقافي ، هي تماماً شئنا أم أبينا مثل الخيول العربية الأصيلة ، الحياة عندها لا تعني شيئاً أمام الجموح والشموخ كشجرةِ سنديان منتصبة ، وإثبات الذات ورفض الخنوع والاستكانة .
وهذه الأقلام التي تنشد الحقيقة الإعلامية والثقافية والفكرية ، لا يمكنها إلاّ أن تعيش في جوٍ حقيقيٍ وصريح من التنافس الشريف ، من خلالِ سمو الكلمة ، نحو هرمِ الإبداع النبيل ، لما فيه مصلحة الإنسان والوطن والأمّة .
تماماً أعودُ لنفسِ التشبيه الذي بدأتُ به ، فالخيول الأصيلة تُمارسُ رغبتها في الصهيل في الأجواء الرحبةِ الواسعة ، ولكنها لا تعتدي على أحد ، بل تعكس شعور الإرتياح ومزاج الفرح عند الآخرين .
وإذا افتقدت الأقلام الصادقة ثقافة الصهيل ، فإنها تتحوّل إلى أقلامٍ عرجاء ، مكسورة الخاطر ، شبيهة بالأغصان اليابسة ، وتتحوّل إلى أقلامٍ مريضةٍ ومُعاقة تنتظر رحمة خالقها ، أو من يُموّلها .
إنّ الذين يودعون أقلامهم و أوراقهم و دفاترهم وكتبهم وذاكرتهم في مزادٍ علني ، أو في بورصة تزييف الحقيقة الإعلامية والسياسية ، فإنهم يدقّون المسمار الأول في نعشِ أقلامهم ويُعجّلون في دفنها ، أو ينتظرون القتل الرحيم من جهةٍ ما ، لأنها ، أي هذه الأقلام وُلِدت مُشوّهة عاجزة وكسيحة ، لأن أول صفةٍ من صفات الأصالة هي الولاء والإنتماء للإنسان وللوطن .
إنّ الأقلام التي تنمو على الطحالب والوشايات ، وتتعكّز ليلاً نهاراً على همسات الجدران الخرساء ، وتلدُ لنا بعد عمليةٍ قيصرية مقالات ليس لها أي علاقةٍ بهمومنا و جراحاتنا وصراعنا الإنساني والقومي ، ومعاناة الإنسان اليومية بكاملِ مجتمعه ، حيثُ الفساد المتفشي والعهر السياسي ، ومصادرة حريات الرأي من كلّ صوبٍ وجانب ، فهذه المقالات لا يمكن ولا بأي شكلٍ من الأشكال أن تكون محسوبة على الأقلام النبيلة ، أو الخيول الأصيلة ، بل يتحوّل نتاجها وبكلِ صراحةٍ إلى رجسٍ من عملِ الشيطان .
إنّ الكتّاب الذين يُمارسون الترفِ الفكري ، تُعتبر كلماتهم غير مسؤولة ، لأنهم لا يكشفون الحقائق ولا يفضحون الواقع الأليم الذي تعيشه الأمّة بسبب جرائم قوى الشر والعدوان ، وتقاعسهم هذا سوف لن يسكت عنه الإنسان والتاريخ ، بل ستقوم الأجيال الحالية والقادمة بفضحهم وكشف النقاب عن نواياهم المشبوهة .
اليوم ، نحن أحوج ما نكون ، وأكثر من أي وقتٍ مضى إلى أقلامٍ صارخةٍ ومسؤولة ، تصهلُ بأعلى صوتها ، وتُواجه الواقع الأليم الذي تعيشه الأمّة ، بدونِ ستائر مُزيفة أو خوف ، بعيداً كلّ البعد عن أقلام المُهرّجين الذي يُمارسون هوايتهم في السيرك المهترىء والرخيص ، وفي صالونات السلطان .
نحن بأمسِ الحاجةِ إلى أقلامٍ تحسُّ بأمانةِ الكلمة ، والهدف النبيل منها ، إلى أقلامٍ عفويةٍ صادقة ، لا نطلب منها سوى كشف الحقيقة وعدم التستر عليها ، أو تحريفِ الواقع ، إلى أقلامٍ نبيلةٍ تُجيد العزف على وتر الحقّ ، وتُجيد إيقاع جري وصهيل الخيول الأصيلة ، ولا تقع أو تنحرف إلى المستنقعات التي يسكنها البعوض والوباء والحشرات والضفادع والأفاعي ، وكتبة العهر السياسي .
إنها الفوضى والعبث بمشاعرِ الآخرين وبالمواقف ، إنّه الصمت المريب لآلة السياسة العربية وصمتها المشبوه أمام آلة الجريمة والإبادة التي تشهدها غزّة البطولة ، وغزّة الحرّة .
والأقلام الوسخة التي تقف إلى جانب الأشرار ، ما هي إلاّ إسطبلات رخيصة لحميرٍ كسيحةٍ لا تعرف لماذا تعيش .
إنّ الكلمة إذا صدرت بعيداً عن الولاء والإنتماء للإنسان وللوطنِ وللأمّة ، ستكون كلمةً مهترئة رعناء ، كرصاصةٍ طائشة قد تقتل صاحبها أو أبرياء آخرين .
كلّ الذين تاجروا ويُتاجرون بثوابت أُمتنا مهزومون ، وصوت الحقّ والشموخ ، وإرادة الإنسان في الحريةِ وفي البقاء هي المنتصرة .