إدوارد فيلبس جرجس يكتب: لم تعد السماء تُمطر مناً

إدوارد فيلبس جرجس يكتب: لم تعد السماء تُمطر مناً
إدوارد فيلبس جرجس يكتب: لم تعد السماء تُمطر مناً

لم يترك الله قوم موسى عند خروجهم من مصر ليهلكوا في الصحراء ، أنزل عليهم المن من السماء ليقتاتوا به ، لكن النفس البشرية المتوثبة للتمرد دائما دفعتهم للتذمر على موسى وكلمات عن الحنين إلى عبودية فرعون من أجل الإشتهاء للفجل والكرات . طبيعة بشرية متمردة دائما حتى لو حصلت على طعامها بالمجان وآتيا من السماء . في الحقيقة لم أجد من الكلمات ما أبدأ به الحديث عن مجريات هي حديث الساعة سوى هذه الكلمات التي فقط أريد أن أبرز بها العقلية البشرية وقد احتفظت بجزء من أصل تكوينها منذ بدأ الخليقة وحتى الآن وهو " التمرد " دون محاولة التحكيم الصحيح للأمور أو زنتها فوق ميزان الواقع ، هذه الصفة موجودة وبصورة سائدة في العقول من الناحية الوراثية ، لكن اختلاف اسلوب استعمالها يتوقف على عقلية البشر بين الاستعمال الأمثل من عدمه أو حتى وجود العقلية ذاتها أو فرارها لتترك علبة فارغة فوق الكتف  ، العقلية المثالية تتمرد على الظلم لكن قد تجد البعض يتمرد على العدل ، العقلية المثالية تتمرد على العبودية لكن بعض البشر يتمرد على الحرية ، قوم موسى اشتاقوا لعبودية فرعون من أجل الفجل والكرات ، العقلية المثالية تتمردعلى الإهمال لكن بعض البشر يتمرد على الإصلاح ، مفارقات كثيرة في إسلوب استخدام التمرد البشري نحو التمرد على الخطأ والتمرد على الصواب ومن هنا أردت أن يكون المدخل الرئيس لكلماتي وأنا أراقب المشهد في مصر منذ تولى الرئيس السيسي فترته الأولى ثم المشهد الحالي وهو مرحلة الترشح للانتخابات الرئيسية وتوقعات عن المرحلة الثانية للرئيس السيسي وأقول المرحلة الثانية وأنا أبصم عليها بأصابعي العشرة ، ليس عن تدني فكر بحدوث ما كان يحدث في الانتخابات سابقا من رقصات سياسية عارية دون حياء ، لكن نتيجة لإيمان الأغلبية الشعبية به نتيجة العقلية المثالية والتفكير البشري السليم وهو التمرد على سنوات الضياع التي عاشتها مصر منذ عام 1952 وحتى 30 يونيو 2013 والتي يحاول أصحاب العقلية المتمردة على الإصلاح وخطوات التقدم أن تعيدنا إلى عبودية تفوق فكر العبودية لقوم موسى لأنهم يشتهون الجلوس في الحضيض . ولكي نستوفي الموضوع حقه وباختصار يجب أن يشمل الحديث ثلاث نقاط . 1_ مصر .  2_ مناخ الترشحات والتعامل الديمقراطي . 3_ السيسي كرئيس لأربع سنوات مضت ومترشح لفترة ثانية .  

 

                                             

1_ مصر

لا يمكن البدأ في أي حديث يشمل الحكم وما حوله دون المرور أولا على مصر وشعبها لأن كل ما يدور فهو حولها وفي مركز قلبها .                                                 

كل إنسان يحلم ، مصر تحلم ، الشعب المصري يحلم . مصر تحلم بأن تكون في الصدارة ، تزيد ولا تنقص ، نيلها الخالد يبقى للأبد يروي كل الأنفس والأرض ولا تجف خيراته ، تحلم بأن  يُحافظ على أثارها لايُهمل فيها ولا تسرق ، يُحافظ على سمائها الصافية ولا تلوثها المحروقات ، يُحافظ على نظافتها ولا يشوه جمالها بأيدي أبناؤها ، يُحافظ على وحدة شعبها ولا تفرقه الطائفية البغيضة والفتن المقيتة ، يُحافظ على حضارتها لتكون لوحة جمالية أمام العالم كله . الشعب المصري يحلم ، يحلم بلقمة مُشبِعَة تأتي بشرف وكرامة ، يحلم بملبس لائق ، يحلم بمقدار من الرفاهية مثل شعوب العالم المتقدم ، يحلم بالعدل ، يحلم بأن يخرج من كابوس الأعوام الطويلة الماضية ، أحلام كثيرة تأتيه في اليقظة والمنام يتمنى أن تتحقق ولا تمضي كمجرد احلام صعبة التحقق ، أحلام ما بعد 30 يونيو وكل ما قيل وما يقال عن المستقبل . دعونا  نتوقف أمام كيفية تحقيقها ومقولة أمير الشعراء أحمد شوقي  " وما نيل المطالب بالتمني ولكن .. تؤخذ الدنيا غلابَا " . فلكي تتحقق الأحلام والأماني يجب أن يكون هناك الإصرار على تحقيقها . تحقيق أحلام مصر وشعبها لن يأتي من طرف واحد لكن من طرفين ، القيادات من رئيسها لأصغر مسئول ، والشعب جميعه ككتلة واحدة ، الكبير يساعد الصغير ، والكبر والصغر هنا غير مرتبط بكبر السن وصغره ، لكن المفهوم الذي أقصده هو كبير العلم يساعد صغير العلم ، كبير الثقافة يساعد صغير الثقافة ، كبير الغنى يساعد المعدمين ، كبير الفكر الديني المتنور يساعد الباحث عن الفهم الديني ولا يأخذه إلى مجاهل التطرف وأيضاً يُخرج ثعابين التطرف من الذين انساقوا وراء الفكر الجاهل المتشدد  ، الكثير المطلوب عمله من الجانبين ، قيادة وشعب ، هذا الموضوع هو الموضوع الرئيسي الذي أضعه أمامي دائماً وله الأسبقية ويستحوذ على كل فكري ، كل ما يتعلق بمصر وشعبها كوطن وشعب له حق المعيشة اللائقة ، هذا هو الوقت الذي يجب أن نعيد ونكرر دون ملل عن كل ما يتعلق بمصر في الداخل والخارج كقضية مشتركة  وعلى قدم المساواة، كلمات أكتبها عن الأحلام وأنه من السهل أن تتحقق  لو..... ، وأضع تحت كلمة " لو" ألاف الخطوط !!!!! ثم أكشف عنها " لو اتحد الجميع وعادت بعض العقليات المتمردة إلى صوابها ولا تحلم بالعبودية والفجل والكرات " .                   

 

                                                             

2 _  مناخ الانتخابات واسلوب التعامل معه كمناخ ديمقراطي

أبدأ هذه الفقرة وكأنني أرثى أو أبكي أطلال ما تبقى من العقول ، هذا إذا كان تبقى ، كثير من البشر لا يعلم أن العلبة الموجودة فوق الكتف تحتوي على شيء أسمه العقل ، وأن هذا العقل إن لم يقم بوظيفته خير قيام فأنه يتحول إلى مسمى آخر ، ربما الاحتفاظ بإسمه يكون الأفضل حتى لا تخرج الكلمات عن حدود الكياسة ، لكن من المسموح طبعا البكاء فوق أطلال العقول التي غادرت ولن تعود . المشهد في الفترة السابقة مر كسيناريو لإناس فقدوا ظلهم ، و " مترشحون " يمكن أن نقول بكامل الراحة أن معظمهم إن لم يكن كلهم شخصيات كرتونية لا تقنع حتى الأطفال ، البعض منهم يحمل من الجهل ما يفوق أبو جهل ذاته ، والبعض المتعلم ثقافته لا تزيد عن علبة فارغة لا يجوز سوى البكاء على أطلال الهارب منها ، كنت أتمنى أن أشاهد المناخ الديمقراطي هو الذي يتحدث و "مترشحون "  لهم زنتهم أضعهم بين قوسي الإشادة وليس التهكم ، بعد 30 يونيو كنت أتخيل أن كلمة انتخابات سيكون لها وقعها وتهتز مصر لها من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها ، وكلمة " مترشحون " تكون ممتلئة بالعافية والصحة ، وكلمة إعلام تكون لها " احترامها " وقد فاقت من الدعارة الإعلامية للأنظمة السابقة وتحلت ب  " وجاهة " التحييد وإعطاء الموقف زخم الارتقاء الذي يقول إننا تغيرنا وأن ما كان يحدث سابقا أصبح في خبر كان وإننا بدأنا السلم بمفهوم جديد  للانتخابات والترشح لها وحتى لو وقفنا فقط على الدرجة الأولى سأقول لا بأس صعود الألف درجة يبدأ بدرجة ، لكن للأسف السيناريو بأكمله قال إننا لازلنا محلك سر ولم نتناول حتى جرعة واحدة صحية من الإسلوب الصحيح والمبشر ببداية الديمقراطية ، حتى المترشح الوحيد الباقي أمام السيسي أقولها وبكل أريحية " مشكوك " فيه أيضا ، من أي جهة سأقول لا أعلم ولا ملامةإذا قلت من كل الجهات . إن ما حدث من الجميع سواء كان من المترشحين أو الإعلام في الحقيقة وللأسف أساء إلى موقف السيسي كمترشح لفترة ثانية ، ولن أطيل في هذه الكلمات سوى بقولي ، لا يزال أمامنا الكثير فكريا وزمنيا حتى نقول إننا على الدرجة الأولى من شئ إسمه الديمقراطية ، ننطقها ولا نعرف ما هي ، والمفروض أن نُفرط حروفها ونبدأ في مذاكرة كل حرف على حدة وعقب كل حرف نؤدي الامتحان الذي يقرر أن كنا ننتقل إلى الحرف الثاني أم لا نزال لم نستوعب الأول ، هذا ليس من باب السخرية ، لكنها الحقيقة التي يجب أن نفهمها ونعيها بدلا من أن نظل في مقولة " علم في المتبلم يصبح ناسي " عشنا فيها كثيراً وليس من المفروض أن نسير بها أكثر من ذلك نسحبها خلفنا كذيل للتهكم أو السخرية .        

 

                             

3_ السيسي كرئيس لأربع سنوات مضت ولفترة ثانية .

هناك فرق عندما أتحدث عن رئيس الدولة كشخص ورئيس الدولة كرئيس لشعب يتطلع إليه ويرجو أن يكون اليوم أفضل من الأمس والغد أفضل من اليوم ، السيسي كشخص سأختصر كل ما يمكن أن يقال عنه في كلمة واحدة " إنسان " . كرئيس أُحَيِد نفسي تماما عن العاطفة وأُعلنها صراحة أنا " لست مع أو ضد " أنا مع ما تراه عيني يُعمل لصالح مصر ولصالح الشعب ، وهذا هو المقياس الصحيح والعملي ، لا تجرني العاطفة التي يسير بها البعض في الحكم على الرؤساء إلى هذه النكتة التي أُطلقت على اخوانا الصعايده عندما استقبلوا عبد الناصر بالهتاف " انت العسل واحنا البلاليص " ، ولا أتخلى عن عقلي وأجحف بما قدمه الرجل ، ميزان العدالة منصوب هذه الكفة لمصر وهذه الكفة للشعب  ، وإذا رصدنا ما قدمه السيسي خلال فترته الأولى سنجد الكثير والكثير يجب أن نكتب عنه وبالتفصيل وسيخدم مصر في أعوامها القادمة وسيغير المسار أيضا بالنسبة للأجيال الشبابية الحالية وأجيال المستقبل ، وعلى الجانب الآخر ومن مبدأ أمانة القلم أقول إنني تحدثت كثيرا عن غلاء المعيشة الذي صدم الشعب وخاصة الطبقات المتوسطة ومن تحتها ، كتبت لائما ، واللوم لم ينصب على الرئيس مباشرة بل على الذين اتخذوا القرارات الاقتصادية بعنفوانية غير مبررة وحتى الآن لا أجد ما يبررها بالرغم من أن البعض يحاول أن يضع لها المبررات من باب التأييد المطلق وأقولها بصراحة تامة أن نظرية التأييد المطلق لا يجب أن تكون وإلا نحن لا نزال على هامش مصداقية الكلمة ، أي رئيس مسئول عن الشعب منذ بدأ توليه السلطة إلى أن يتركها ، وأن لا أحب للسيسي بعد أن قُيدت له نجمات مضيئة أولها كان بإنقاذ البلد من نهاية سوداء على يد الأخوان أن أضعه في نفس قائمة الرؤساء جميعا الذي حكموا مصر منذ عام 1952 وقد تركوا بدون استثناء عاهات خلف فترة حكمهم سواء في وجه مصر أو في معنويات الشعب ، ولا أحب أن أضع أمام إنجازاته العظيمة نقطة تقول أن الشعب كان في ضيقة . ولهذا أقول أن السنوات القادمة هي سنواته ولا يمكن لأي كائن من كان أن يقترب منها لأن مفتاحها في يده وفي عقله ومعها الأمل الكبير أن يخرج في إحدى خطاباته ليقول للشعب لقد آن الأوان كي تفكوا أحزمة عانيتم منها كثيرا . إن انتخاب السيسي لمرحلة ثانية غير قابل للتفكير وأي إنسان لا تزال العلبة التي فوق كتفه عامرة بساكنها يعلم ذلك جيدا ، أما من فرغت علبهم وأصبحت تستحق البكاء فوق إطلالها هم من لا يزالوا يسيرون في صحراء التيه يبحثون عن كلمات فارغة يرددونها عن ما يجب ولا يجب وما يصح ولا يصح وقد عمت العيون عن أنه لا يصح سوى الصحيح وأنها فترة لا يمكن أن ينجزها تمام الإنجاز سوى من بدأها ، إن صندوق الانتخابات هو المؤشر الذي سيقول إن وعي الشعب قد نضج أم لا يزال وللأسف إن لم يكن قد نضج مع الأحداث منذ 30 يونيو فلا أمل في نضجه للأبد ، جميعا نتوجه إليه وفي قلوبنا دعوات بأن تكون فترة مكللة بالنجاح لمصر وللشعب ، كلنا نقول نعم لفترة مليئة بالعمل والإخلاص لبلدنا لكن ننتج وننتج لأن السماء لم تعد تمطر مناً ولنترك التمرد على المن لعبودية الذين يبحثون عن الفجل والكرات .