هدى حجاجى أحمد تكتب: "برولوج " قرأت فى كتاب (أقنعة الإرهارب ..والبحث عن علمانية جديدة ).

هدى حجاجى أحمد تكتب: "برولوج " قرأت فى كتاب (أقنعة الإرهارب ..والبحث عن علمانية جديدة ).
هدى حجاجى أحمد تكتب: "برولوج " قرأت فى كتاب (أقنعة الإرهارب ..والبحث عن علمانية جديدة ).

 

 رسالتان ...

الأولى من فرج فوده :

==================

من الخلف أغمدت رصاصتك ولكنى رأيتك . رأيت عينيك المفتوحتين على آخرهما , ورأيت فمك المزموم الشفتين , ورأيت العزم فى ساعديك . أنت لا تعرفنى وربما لم تقرأ لى حرفا , ولكنى أعرفك . أعرفك من قبل ان تأتى إلى هذه الدنيا , منذ لم يجد أبوك وأمك من مسرات الدنيا ولذائدها سوى أن يمنحانك الحياة . تلك هى "أرخص ليالى " يوسف إدريس . كان أخوتك ينامون تحت فراش والديك .

 أربعة جدران تضم الجميع فوق السطوح الساخنة والباردة . فى هذه الغرفة الراقصة شتاء يجود سقفها بماء الشرب هاطلا من السماء مباشرة وتصلى صيفا حتى لا تتجاوز الشمس حدودها فلا تحرق الخبز الذى قددته أشعتها , عشت عمرك مشدودا بين الرقص المثلج والصلاة الساخنة كان أبوها هو الذى يرسلك إلى جرجس لتأتيه بما لذ وطاب من الجبن والزيتون . ,وكانت أمك هى التى تحملك كعك العيد إلى الست جميانة وكنت وأخوتك تلعبون فى الحارة مع إبراهيم وسعدية وبطرس وحنان وعبدالله وعبدالسيد , تحكون الحواديت وتغنون المواويل وتتعاركون وأنتم تشدون الحبل وأنتم تقفزون السيجة وترمون النحلة . وكانت الحارة تبدأ بالمسجد العتيق وتنتهىبالكنيسة التى تصطف بجوارها مقاعد عم على صاحب المقهى الصغير المتهالك , يجلس عليها الشيوخ والشباب يلعبون الطاولة والكوتشينة . فى السادسة من عمرك ذهبوا بك إلى المدرسة البعيدة من الحى . ثار الخلاف بين الأب الذى يريدك أن تتعلم "صنعة " فى ورشة النجارة أو الحدادة المجاورة , وبين الأم التى أصرت على أن تدخل المدرسة وتفك الخط . وذات يوم أثناء عودتك من المدرسة – هل تذكر – قابلك بطرس فلم تقف وتصافحه كما هى عادتك .

قلت لوالدتك فى السر : لن ألعب معه بعد الآن , لأنه وأهله أجمعين سوف يذهبون إلى النار . هكذا قال "الاستاذ" , وهكذا قرأت فى كتاب المحفوظات , وطلبت من والدك إلا يرسلك إلى دكان جرجس مرة أخرى , ولم تقل "العم " كما تعودت . وأندهش أبواك من هذا الكلام الذى كبر واستطال عاما بعد عام . كان زملاؤك الأقباط يحفظون آيات من القرآن مثلك . ويذهبون كل أسبوع إلى "مدارس الأحد " لقراءة اإنجيل . وفى شهر رمضان لا يفطرون فى الشارع أو فى المدرسة , وبعض آبائهم كانوا يفطرون فى المغرب مع والدك وآخرين من أهل الحارة . ولكن هذه العادات تغيرت فجأة . وذات يوم آخر , أنت لا تنساه , قال الأب أنه سمع وشاهد فى التليفزيون عند أحد الأصحاب كلاما قريبا مما سبق أن سمعته فى المدرسة عن الكفرة والمشركين وأعداء الله . ولم تفهم والدتك هذا الكلام , وكانت ما تزال تتبادل الزيارات مع الست جميانة . ولكن والدك طلب إليها أن تزورها فى السر , وطلب من أختيك أن ترتديا الحجاب ولم تفهم الاثنتان سببا لذلك , ولكنهما فرحا بالثياب الجديدة . ولم تستطع أن تدخل المدرسة الثانوية وفى اليوم الذى قررت فيه أن نقدم أوراقك إلى المعهد المتوسط . رأيت مسهدا لم يخطر ببالك من قبل .

 كانت الكنيسة الواقعة فى نهاية الحارة تحترق , وقد ازدحم الأهالى وهم يطفئون النيران : عم جابر والحاج محمود والجزار والبقال والنجار والحداد والشيخ صابر والأسطى علوان والمعلم جورج والمقدس عبدالسيد . ونجح الجميع فى السيطرة على اللهب فلم يمت أحد , وإن احترقت بعض الكراسى والأبواب والستائر , وهرولت أنت مسرعا إلى البيت الذى كان خاليا إلا من أختك الأصغر . وفى المساء كانت الحارة تضرب أخماسا فى أسداس عما جرى .أما أنت فقد ذهبت إلى موعدك الذى لم تفش سره لأحد . قال لك ذلك الشاب الطويل الأسمر :إياك أن تحزن مما رأيته اليوم . ما هى الا بداية النهاية للكفر . وإياك أن تظن الكفر مقصور على غير المسلمين . فالكفر يملأ دنيا المسلمين وغيرهم . الجميع يعيشون فى الجاهلية , وإن تلبسوا مسموح إلاسلام أو غيره من الأديان . أنت الآن تولد مسلما للمرة الأولى . دعك من هذه اللحظة من الكفار حتى لو كانوا من أهل بيتك . إنهم أعداؤك , أعداؤنا , أعداء الله ورسوله لا تنظر وراءك , اترك كل مالك فى الدنيا واتبعنى . أصغيت إلى الصوت فى خشوع المتبتلين . وفقد الجميع عنوانك منذ ذلك الحين .

لم يكن لك عنوان . كنت تنتقل من عنوان الى آخر ربما مرات فى الليلة الواحدة . أمسيت صديقا لليل والصمت ولغة العيون والخوف والأسرار الغامضة . ولابد أنك شعرت بأنك جزء متواضع ولكنه يزداد أهمية فى "بيت " كبير له أرض وسقف وجدران ومدخل ومخرج . أنت من أهل هذا البيت لست ضيفا ولا شريدا فى مأوى للعجزة والأيتام وأبناء السبيل لم يعد الجوع إلى رغيف أو الأنثى يطاردك , وإنما الجوع لأن يتسع هذا البيت ليشمل الدنيا كلها هو الذى يدفىء صدرك بنيران الطموح لأن يكون لك دور فى بناء هذا البيت وتوسيعه . قيل لك أن لا ولادة بغير الدم , وإنك تولد الآن للمرة الاولى . فإحرق الذاكرة التى عشت بها حتى الآن . نحن أبوك وامك وأخوتك .لا عائلة لك سوانا . لا أمس لك انسى كل ما تعلمته وعرفته من قبل . التاريخ يبدأ هنا والآن . وفى البدء كانت الرصاصة , وفى المنتهى كذلك . الرصاصة هى التاريخ والجغرافيا , والحياة لمن يطلقها أولا . كنت صامتا ترتعد فى داخلك , ولكنك كسوت وجهلك بقناع نسجته من خيوط الطاعة والصرامة . حاولت أن تلغى ذاكرتك وان تقسم على تنفيذ المهمة "المقدسة " لم تتذكر شيئا . كانت أعماقك ترتجف فى البدء كان القتل ..هذا كل ما وعيته وأنت تتلمس الجسم البارد للمدفع الرشاش . القتل فالقتل ثم القتل . الحرارة تنبثق فى رأسك . ينبوع ساخن يتفجر فى أعضائك . أنت لا تعرفنى رسموا لك الخرائط والبدائل والوجوه والأزياء .. خطوط متقاطعة وألوان وأحجام وكتل وفراغات وأضواء وظلال , كلها من ورق بلا حياة . وحين وقفت تنتظرنى كان لديك الوقت لتفكر أو تتأمل أو تتذكر . ولكن شيئا من ذلك لم يحدث . توقفت كل أجهزة الرأس . تعطلت كل الحواس ما عدا العين تقطر والساعد يمسك بالمدفع . فجأة انبثق داخلك ضوء يشبه الحلم إنك مثل المدفع مجرد قطعة من الحديد , أداة , وسيلة . وكادت الأسئلة تبرق فى مخيلتك : لماذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ ولكن الوقت قد فات . ضغطت عليك الأعصاب : ما علاقة الإسلام بما سيجرى بعد لحظات ؟ ماذا صنع "الهدف " هذا الرجل الذى سأذبحه بعد دقائق ؟ ماذا سيحدث لأبى وأمى وإخواتى وأهل الحارة ومصر كلها إذا أفترشنا الدماء وأظلتنا الكوابيس العمياء . لم تتضح فى وعيك الأسئلة , تشابكت وارتطمت وتداخلت , وشعرت أنك تسبح فى ظلمة عاتية . لا ترى , لا ترى , لا تدرك لا تفهم , لا تعى , كدت تشعر إنك فى مصيدة , إنك وقعت فى فخ , وأن غسيلا مدمر للدماغ يزهق روحك , ولكن الرصاصة الأولى انطلقت فلم يتوقف الرشاش عن الصراخ الذى قتل كل الأسئلة . ورأيت وجهك فى بحيرة دمى يحلق مذهولا . الرصاصة لا تبنى بيتا لا وجود له . الرصاصة لا تمنح دورا لمن أطلقها . الرصاصة لا تقتل الكلمات . رحت أنا فى غيبوبتى . وأنت فى غيبوبتك , والآخرون فى غييبوبتهم .

 

– الرسالة الثانية إلى فرج فودة

 حين قرأت كلماتك أيقنت أنك تستحق القتل لسبب آخر غير الكفر ,هو الغرور حتى بعد رحيلك ما زلت تعانى من هذا المرض اللعين , فأنت تتوهم أن الفقر هو الذى قادنى إلى أشرف الأعمال , أن أقتلك . ملايين من الشباب أمثالى أكثر فقر اً ولم يحظ أحدهم بهذا الشرف .. وتتوهم أن "أستاذ" المدرسة هو الذى غرس فى قلبى نور الإيمان الذى لا يضيىء أمثالك , ولكن ملايين التلاميذ من زملائى لم يقطعوا المسافة بين الإيمان والفعل الذى يقتضيه . وتتوهم أن التليفزيون هو الذى أوحى لأبى بأن تلبس إخواتى الحجاب , وهناك عشرات الملايين يشاهدون آلة الكفر هذه فيزدادون كفرا ولا ترتدى نساءهم الحجاب أو النقاب . وتتوهم أن أحدهم همس فى أذنى بالسر فمضيت وراءه دون قيد أو شرط , ودنياكم مليئة بالهمسات والاسرار التى تقودكم إلى الشيطان . البشر ليسوا إلا وسائط للخير أو الشر وصوت الله يختار من يشاء ليصل إلى القلب الذى يستحق . وتتوهم أننال أحرقنا بيتا من بيوت الله حين احترقت كنيسة بمشيئة الله . هذه الأوهام كلها من صنع خيالك المغرور أما وإننى فزت بقتلك , فإننى سوف أخيب آمالك وأقول لك إنك واحد فقط من أصوات الشيطان . لم تكن أهمها على الإطلاق , ولكنك الأكثر وقاحة وتطاولاً .لم أقرأ لك حرفا بالفعل , ولكنى لمست الغضب ورأيت الشرر يتطاير من العيون التى يكفى لمعرفتك ... فأنت أحد الدعاة إلى الجاهلية ,, ترى الإسلام دينا وليس دنيا , تساوى بين المسلم والمشرك , تؤمن بشريعة الإنسان لا بشرع الله , تطلب بأن يكون الدين لله والوطن للجميع , وتدافع عن حقوق غير المسلمين وفى مقدمتها حقهم فى بناء الكنائس وفى تولى الوظائف والرئاسات والقيادات وتستخرج من الكتاب الكريم وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام ما يؤيد دعواك , وتسلط الأضواء المنكرة على تاريخ المسلمين فى عصور تدعوها بالتخلف والضعف والإنحطاط .

وتهاجم بلاداً أكرمها الله سبحانه وتعالى بطريق الحق وشريعته كإيران والسودان وتبارك بلاداً حرمها الله من نعمته فراحت فى غمار المعصية إلى حد إرسال الإنسان إلى القمر . انت أيها الكافر , تريدنا مثلهم وعلى صورتهم تريد الشورى التى نادى بها الكتاب العزيز لمن يختاره الناس لا لمن يختاره الإمام من أهل الحل والعقد علماء الدين والدنيا . وتريد الشورى ملزمة للإمام الذى لا يلزمه يلزمه سوى شرع الله . وأنت تتوهم أن اختراعات الكفار فى بلاد الكفر وما تسميه اكتشافاتهم هى التقدم ومن صنع نشاطهم وعبقريتهم . ولا تدرك فى جهالتك أن الله عز وجل جلاله قد سخرهم واختراعاتهم لنا , فهم لم يكتشفوا شيئا سبق للمولى أن سطره فى كتابه الكريم . أما الذين يسكنون ديارنا من غير المسلمين , فهم لا يحتاجون إلى شفاعتك , لأنهم فى ذمتنا طالما لا يخرجون إلى حربنا , ولا بأس عليهم طالما يدفعون الجزية صاغرين , لا ينضمون إلى جيوشنا ولا يولى أحدهم على مسلم . تتهمنى وإخوانى بأننا نقيم دولة داخل الدولة , خسئت , فإنما نحن نقيم الدولة على أنقاض الكفر ليست الأموال التى تدعونها "أتاوة " إلا الذكاة نقوم بتحصيلها لبناء المساجد والمدارس والمستشفيات ,, وليست الأموال التى تنسبونها إلى الخارج إلا أموال دار الإسلام مهما وفدت من هذا البلد أو ذاك , فالمسلمون أخوة لا قوميات تفرقهم ولا مذاهب ولا لسان , وليست الأموال التى نأخذها من غير المسلمين بالرضا أو عنوة إلا الجزية .

وليس التدخل بالقوة لحل المنازعات بيننا وبينهم أو بيننا وبين الدولة إلا نهيا عن المنكر باليد وليس اضطرارنا للقتل إلا فريضة نؤديها جهاداً فى سبيل الله . ولم يكن مقتلك بيدى إلا أداء لهذه الفريضة ولكنك لن تفهم أمثالك لا يفهمون اللذائذ الثلاث التى نستمتع بها فى أداء الفريضة تسمونه بالألفاظ الكبيرة اغتيالا وارهابا وخروجا دمويا لا نتردد فى السلوك القويم وتنفيذ الشريعة الله وأداء الفريضة التى نتلذ بجهادها ثلاث مرات . . الأولى هى تلك الحياة التى تصفونها بالسرية . أشعر كأننى جزء من كل عنصر فى كيان يتحرك ويحرك بمشيئة واحدة ,,إننى حاضر وحى وكائن فى هذا الكيان وحركته .

لا حياة لى خارجه أنا جزء ولكنى أشعر بأننى الكل , أنا عنصر ولكننى أشعر بأننى الكيان بأكمله . هل هذه هى الحياة السرية ؟ لتكن . إنها لذة لا تضاهى أن أكون داخلها كل شيئ وخارجها ولا شيئ على الإطلاق عالم كامل نصنعه بأنفسنا , ليس من الماديات وحدها ولا من المعنويات وحدها , بل من الأضواء والظلال والشهيق والزفير والخيالات والوقائع تتشكل لغتنا وأساليب يقظتنا ونومنا وأبصارنا وأغماضنا وأحاسيسنا وأفكارنا .

عالم ليس هو عالمكم فتسمونه بالحياة السرية . إنه لذتنا الكبرى الذى يحرم عليكم الانتشاء بها . وأما اللذة الثانية فهى ما تصفونه متأففين بالسمع والطاعة . نعم , أننى أسمع فاطيع , لأننى أسمع دقات القلب وأطيع الهاتف الذى لا يرد ليس " الأخوة " مجموعة أوامر ولا الأمير بوق تعليمات , وإنما هم وسائط أختارها الله , فمعصيتهم معصية لله . وهل تملك العين أو اليد أو القدم أن تستعصى على إرادة الجسد إذا تحرك من أجل الحياة . وهل يتحرك الجسد إلا إذا تلبسته الروح ؟ هكذا نحن أعضاء مطيعون فى الجسد الذى تحركه الروح .

العضو الذى لا يطيع هو العضو الميت , ولا بالحياة ذاتها . إننا نطيع صوت الروح فى الجسد . فنحيا . وأما لذة اللذائذ , ولا تفغر فاك فهى القتل . إنه ذروة الإمتنان بالسمع والطاعة , للعشق الذى لا يبارى القتل تصل المتعة إلى منتهاها والفريضة إلى غايتها .

 هذا هو الفعل الجامع المانع , فلست وحدى الذى يقتل , وإنما استجمع فى قواى الكيان الشامل للجميع الذين صاروا واحداً هو أنا . أنا " الكل " أحقق ذاتى وذوات الآخرين . أحقق وجودى فى إعدام الآخر .

السمع والطاعة هنا استجابة للتحدى الكامن فى أعضائى . والقتل فعل واحد يجمع الأفعال جميعاً , هو اللذة العظمى التى تنطوى على كافة اللذائذ المجهولة والمعلومة . الحرمانات الماضية والأشواق المحرمة والأحلام الخاطفة والكوابيس العمياء والطموحات العجائبية , كلها تجتمع فى بوتقة واحدة فى لحظة واحدة كالبرق .

 يصبح السلاح عضوا من اللحم والعظم أغزوبه عالماً كاملاً وأفتح دنيا الأسرار اللانهائية . وتغدو الدماء لونا سحريا للمباهج الأسيرة والنشوات العاتية تنبثق النافورة الحمراء فى جسدى كله من قبل أن ترتمى الذبيحة فى بحيرة عروقها المتدفقة . أفتح عينى على آخرها وأرقص .

تسمونه الجرى ,, ولكنى أرقص وأرقص إلى مالا نهاية . إنه الفرح المجنون باللون القانى الجميل . وقد خرج سرى من صدرى , ولكنكم لن تمسكوا به . قد تمسكوا بى حيا أو ميتا أما سرى فهو يسبقكم إلى نقطة لا تراها عيونكم . هناك أعود إلى الرحم البكر حيث أولد من جديد وتتوهمون بغروركم إننى فى السجن أو فى القبر . أعرفت لماذا قتلتك أيها الرجل ؟