بوابة صوت بلادى بأمريكا

عبد المنعم سعيد يكتب: الليلة لا تشبه البارحة

 

الليلة لا تشبه البارحة فى الشرق الأوسط، وعندما يجرى استدعاء أحداث سابقة، مثل توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عند الإعلان عن اتفاق إسرائيل ودولة الإمارات العربية المتحدة على توقيع معاهدة سلام بين البلدين، فإن ذلك لا يعنى تشابها بين الواقعتين، ولا يعنى بالضرورة استدعاء الفصول التى جرت فى الأولى لرسم السياسات التى سوف تجرى فى الثانية.

أهمية الاختلاف هنا منبعه حكمة السياسات الواجب اتباعها الآن فى ظل ظروف تغيرت كثيرا عما كانت عليه، ويقع فى الطليعة منها ما جرى على جوهر الصراع العربى الإسرائيلى من انتقال من الحالة «الوجودية» أو Existentialist التى ينفى فيها وجود طرف وجود الطرف الآخر، إلى الحالة اللا وجودية Non-Existentialist التى لا يوجد فيها مثل هذا النفى. أصبحت المسألة ليست على الوجود، وإنما على كيفية التعايش بين وجودين يعترف فيها كل طرف بحق الطرف الآخر فى البقاء. كانت حرب أكتوبر ١٩٧٣ فى الواقع نقطة فاصلة ما بين الصراع الذى بدأ بحرب ١٩٤٨، وما جرى بعد عقد اتفاقيات فصل القوات على الجبهتين المصرية والسورية مع إسرائيل. منذ ذلك الوقت مرت ما سمى «بعملية السلام» بثلاث فترات تاريخية مختلفة على كل من يحاول الاقتراب منها فى الزمن الحالى أن يأخذها فى الحسبان حتى لا تزيغ عيون ولا تنحرف طرق. الفترة الأولى كانت ما تلى حرب أكتوبر وتتويجها بمعاهدة السلام، وهى فترة جرت، فى ظل قيادة تاريخية فذة فى مصر للرئيس السادات، كانت لديها شجاعة ريادة طرق لم يمش فيها أحد من قبل. كان الزمن الدولى ساعتها هو زمن الحرب الباردة بين العملاقين الأمريكى والسوفيتى، أما الزمن الإقليمى فكان الانقسام ما بين الدول المعتدلة التى ترغب فى استثمار نتائج حرب أكتوبر العسكرية والنفطية، وهؤلاء من جماعة الصمود والتصدى التى رفضت هذا المنهج، وفى الوقت نفسه التشاحن فيما بينها، فى صورة بعث العراق وبعث سوريا، ومن بعد ذلك شن العراق حربا على إيران والتى بدورها كانت من جماعة الصمود والتصدى بعد ثورتها.

الفترة الثانية والتى جرى فيها عقد مؤتمر مدريد واتفاق أسلو والمفاوضات الثنائية بين إسرائيل وكل من الأردن وسوريا ولبنان، والمفاوضات المتعددة الأطراف التى شاركت فيها أكثر من ٤٠ دولة إقليمية ودولية. عالميا كان ذلك هو زمن الانفراد الأمريكى بالعالم بعد الانهيار الكامل لكل من الاتحاد السوفيتى وحلف وارسو، وإقليميا كانت البداية غزو العراق للكويت ثم تحرير هذه الأخيرة عن طريق تحالف دولى وعربى. أنتجت هذه المرحلة معاهدة سلام بين الأردن وإسرائيل واعترافا إسرائيليا فلسطينيا بالآخر مع قيام أول سلطة وطنية فلسطينية على الأرض الفلسطينية فى التاريخ. المرحلة كلها انتهت مع نشوب الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وكانت مسلحة هذه المرة، ولم تمض شهور حتى جرت انفجارات الحادى عشر من سبتمبر ٢٠٠١ فى نيويورك وواشنطن لكى تبدأ مرحلة جديدة فى تاريخ العالم والإقليم لا كان الصراع العربى الإسرائيلى فيها هاما، ولا كان الصراع الفلسطينى الإسرائيلى مهما، انقسم الفلسطينيون بين غزة ورام الله، وفتح وحماس، وتولى حزب الله معاشرة الحرب مع الإسرائيليين. وبعد حروب غزة ولبنان، جاء «الربيع العربى» لكى يحدث خلخلة استراتيجية فى المنطقة العربية، عملت الدول الإقليمية غير العربية، مثل إيران وتركيا وإثيوبيا وإسرائيل على استغلالها للإضرار بالمنطقة العربية والحصول على غنائم استراتيجية.

الفترة الثالثة بدأت من منتصف العقد الماضى، عندما بدأت تغيرات عالمية شنها الرئيس الأمريكى الأسبق، باراك أوباما، للانسحاب الأمريكى من الشرق الأوسط، ورغم اختلاف التعبيرات، فإن الرئيس الحالى، دونالد ترامب، استمر فيها. انتهى عصر القطبية الأحادية للعالم بظهور شروخ داخل الولايات المتحدة، والخروج البريطانى من الاتحاد الأوروبى، والبزوغ المتسارع للصين على الساحة العالمية، مع زيادة الدور العسكرى لروسيا الاتحادية فى أوروبا والشرق الأوسط. إقليميا استمرت دول الجوار الإقليمى فى سلوكها العدوانى والتدميرى فى العراق وسوريا واليمن وليبيا؛ ولكن فى المقابل ظهرت أربعة أشكال للتعاون وإطلاق منظومات تنموية وأمنية فى المنطقة. الأول منها شنته مصر من خلال ترسيم الحدود البحرية بينها وبين السعودية فى البحر الأحمر، ما خلق ساحة كبيرة للتعاون التنموى والأمنى بين البلدين وعدد من دول البحر، ثم جاء ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص لكى يصل فى النهاية إلى إنشاء منتدى دول شرق البحر المتوسط الذى يضم مصر والأردن وفلسطين وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا، والذى جعل من إنتاج وتصنيع ونقل الغاز رابطة بين هذه الدول تماثل الدور الذى لعبه الحديد والصلب فى تاريخ التعاون الأوروبى. والثانى عرف بالتحالف الرباعى الذى ضم مصر والسعودية والإمارات والبحرين، وشمل أبعادا أمنية واقتصادية وعزل قطر داخل المنظومة العربية. والثالثة جاءت بين مصر والأردن والعراق فى اتفاق عام على التعاون الاقتصادى والتنسيق بصدد السياسات العامة. ورغم أن لقاءات قادة الدول الثلاث أعادت ذكريات «مجلس التعاون العربى» الذى شمل الدول الثلاث أيضا خلال ثمانينيات القرن الماضى، إلا أنها بالتأكيد حملت صبغة الفترة «الجيوسياسية» الحالية فى المنطقة. والرابع هو الذى حدث مؤخرا، عندما اتفقت الإمارات مع إسرائيل بإشراف من الولايات المتحدة على عقد معاهدة سلام وتطبيع العلاقات بين البلدين.

هذه الخطوة الأخيرة إذن جاءت ضمن إطار جديد فى العالم وفى الشرق الأوسط، وبشكل عام ضمن محاولة استراتيجية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة بعد رحلة ممتدة مع الفوضى والعنف والإرهاب والعدوان من الدول الإقليمية، سواء بشكل مباشر وبقوات عسكرية أو غير مباشر عن طريق وكلاء حزبيين أو طائفيين. ورغم أن الاتفاق مس بشكل أو آخر القضية الفلسطينية، إلا أن جوهره قام على إمكانيات التعاون الثنائى بين الإمارات وإسرائيل فى مجالات علمية وتكنولوجية واستثمارية وسياحية شتى. الجانب الأمنى لم يقم على انسحاب من أراض محتلة، وإنما على التعاون فى مواجهة أخطار مشتركة ناجمة عن عدم الاستقرار فى المنطقة (الإرهاب) أو التدخل العسكرى من قبل أطراف إقليمية أخرى (إيران وتركيا). المدهش أنه رغم قيام كل من قطر وحماس بانتقاد الخطوة الإماراتية بشدة، فإن هذه الأخيرة اتفقت مع إسرائيل بوساطة قطرية وتمويل قطرى أيضا على إنهاء تصعيد مستمر لأسابيع على طول الحدود بين إسرائيل وغزة. وبموجب الاتفاق ستنهى حماس إطلاق البالونات الحارقة، وإسرائيل ستنهى الضربات الجوية. وقالت حماس إن التفاهم سيسهل الطريق أمام تنفيذ مشاريع «تخدم سكان غزة وتخفيف المعاناة وسط موجة فيروس كورونا». أما إسرائيل، فصدر عنها أنه فى حالة استمرار حالة الهدوء، فإن إسرائيل سوف تقوم بمد غزة بخط كهربائى عالى القدرة. باختصار سوف تضاء شوارع غزة بالكهرباء الإسرائيلية.

هذه المرحلة الأخيرة هى ما تعيش فيه المنطقة كلها، وضمن إطارها هذا تحسب التطورات الجارية التى تسير فى سياق خروج المنطقة كلها من الشقاق والصراع إلى حالة أخرى من التعاون والتهدئة والتنمية أيضا.

 

أخبار متعلقة :