مختارات .. الصمت بقلم د.علي أحمد جديد

مختارات .. الصمت بقلم د.علي أحمد جديد
مختارات .. الصمت بقلم د.علي أحمد جديد
 
 
يكون التقابل بين الصمت وبين الكلام تقابلاً بين كلٍ من الحركة والسكون و بين الفراغ والامتلاء ، أي بين فضاءات تشملها علاقات ودية يحتويها الصمت ، وبين كوْنٍ يسوده انعزال المحتوى بالعلاقات السطحية التي تغمرها ثرثرة كاذبة . ويمكن للفرد  أن يوجد ترابطات وعلاقات وجدانية مع الجميع دون أن تربطه أي علاقة بأحد .
وبذلك يكون التقابل بين فضاءين اثنين . فضاء تسوده سطحية خادعة يغلفها الضجيج مع ما تفرضه من علاقات البشر فيما بينهم ، وفضاء يريد أن يتحرر من ذلك العالم ويتجاوزه لكسب راحته .
 وسرعان ما يتخذ التقابل المذكور شكل تقابلٍ بين فضاء يكون فيه للصمت مساحته القدسية على اعتبار أنه توجّهٌ لصفاء النفس ، وللفكر والتبصّر  بين الأنا والذات .وهو مايقول عنه (ابراهيم نصر الله) :
 " كان الصمت مساحة من ظلام شاسعة لا يستطيع اضاءتها ألف قنديل "
 أي أنه مضاد للمسلك الذي سارت فيه المتصوفة وجعلوه مقامهم لرفعة الروح وسموّها .
كذلك كان تصوير الصمت عند فلاسفة الجمال بأنّه من أسمى وأرقى الصور التي تنتقل بالنفس إلى كوْن الطمأنينة والهدوء وتطهير الرغبة بالنظر إلى  مختلف أطوار الحياة . ومصطلح الفراغ أو لحظة  الصمت في الفنّ عموماً يضفي ما تعجز ريشة الفنان أو حركات عصا مايسترو الفرقة الموسيقية عن الوفاء به ، وهو مايقول عنه (ألدوس هكسلي) :
- الصمت ليس فارغاً .. الصمت مليء بالأجوبة ، الأجوبة التي تضيف جماليّة على جمال أنواع الفنّ .
وعند اصحاب التحليل النفسي يحمل الصمت دلالة الاغتراب والخوف من المجهول أو الشعور بالقلق لأنهم يرون فيه سلوكاً انفعالياً غير سار حيال مكمن مجهول عند المقابل ، وقد يؤدي إلى اعاقة النشاط الإنساني أو الاكتئاب ، لأنه عزلة وانسحاب من مشاركات تفاعلية الحياة ورفض  وانفراد مجتمعي ، كما قال (جان جاك روسو ) : - الصمت دائمًا ما يقود إلى الحزن لأنه صورة من صور الموت .   
وتلك هي المهمة التي من شأنها أن تنقل الفرد من الصمت إلى الحزن ، ومن الحياة الموهومة إلى نهاية حتمية ،  فتأخذه من فضاءات الكلام والضجيج بكل ما يسودها من نمطيةٍ مخادعة ويغذيها عدم الفهم ، وبكل ما يعمها من حوارات زائفة وعزلة حقيقية يرتبط فيها بالجميع من غير أن يرتبط بأحد ، ومن غير أن يتواصل ، فتنقله إلى كوْن يدفعه للعيش في قوقعة التفرّد المكتسب ، ختى ولو دخل في حوارات شاسعة لا مع الآخرين فحسب ، وإنما مع (جوهر الأشياء كلها) كي يتجاوز الفضاء الذي يحدد علاقته فيما بينه وبين الآخرين .
ومن الضرورة أن يعمد الفرد إلى قوة الصمت وغموضه بين الحين والآخر لكونه مترعاً بالمشاعر والاحاسيس ويواجه حياة أقرب ما تكون إلى غابة مجهولة فيها من الوحوش والكواسر ما قد يهشم تلك النفس ويخدشها . وحين لا يجدالفرد من يفهمه يلجأ إلى الانزواء والانفراد لكسب شيء من راحة الفكر والروح .
وقد يحمل الصمت أيضاً دلالات ومعاني مختلفة لأنه قوة فطرية ينزع فيها  الإنسان إلى سلوك قيم أخلاقية تسمو بصاحبها نحو الوقار ، فيكون  الصمت حكمة في أغلب احواله ولهذا يقول عنه ( إرنست همنغواي ) 
- يحتاج الإنسان إلى عامين ليتعلم الكلام ، وستين عاماً ليتعلم الصمت .
 فالصمت إذاً يحتاج إلى موهبة تتجه بصاحبها إلى رؤية الأشياء المختلفة التراكيب والكلمات العبثية  ويكون حكمة وفلسفة ذات بلاغة ودلالة أكثر مما يحمله البوح والكلام . فالكثير من اللوحات صامتة لكنها تحمل دلالات   لا توازي الكثير من الكتب خطوطها ، لأنه ثمة شيء مشترك ما بين فلسفة الوجود أو القيم الانطولوجية للحياة ، وما بين اللغة الإنسانية ، وذلك مالا يتمكن من فهمه إلّا مَن يدرك الصمت الذي يحمل نفس تشارك الأنين الروحي والهم الفكري والابتعاد عن كل ما يستتر خلف اللغة من ميكانيزمية الصخب والدمار الذي تحدثه البشرية . وفي كَوْن الصمت القداسة في كل شيء يمت له بصلة من الزمان والمكان أو من روحية لغوية ، مجابهة لخيبات منيت بها النفس حتى صار الصمت ضرورة  للانتقال من جانب الصخب  إلى جانب السكينة  فالصمت هو الكلام الذي لا يدركه إلّا مَن يفهم هذه الفلسفة ويحمل من الوظائف والغايات والإدراك ما يعجز عنه التعبير بالكلام .
ولأن في الصمت حقل خصوبة للمعرفة وللتحليل والتأمل والتفسير والتفكير . فإن الحواس تصير أكثر حدة ، والمشاعر أكثر رهافة ، ويصيرالتأمل  أوسع واشمل وأدق . وفي الصمت ينمو الحلم ،  ويصير هديراً وفراشات ملونة ، ووروداً تطغى  بعطرها . وما حركة السعي سوى اجتراحات الجسد . ويفسر الكثير من الناس الصمت بأنه العزلة . لكنه في حقيقته غير ما يفسرون . لأن الفرد الصامت يرى في الكلام واللغو بأنه العزلة . والمتكلم والذي يلغو كثيراً  يعجز في التعبير عن مكنون ذاته وخفايا تفكيره في لحظة اللغو وتدفق الكلام . ولهذا فإن الصمت ليس تعبيراً عن العزلة ،  لأنه لا يلغي الاتصال والتواصل مع الآخرين ولا مع الحياة أيضاً . ولكنه يعمِّق بالصمت التواصل مع الآخرين ، سواء كانوا قريبين منه بالمسافة أو بعيدين . كما يعمق الاتصال بالحياة في تجلياتها وفي تعدد مساراتها واختلافاتها .
وعندما يكون الانتظار  توتراً مرهوناً بالساعات ، ومسيطراً على قوة الدماغ وفضاء الخيال إلى حد الشلل ، يصبح مرتبطاً بالأسى وباليأس . لكن الصامت يدرك أن انتظاره يسير على جسور الأمل . لأنه انتظار استراتيجي  هادئ وطويل وغير مرحلي لأنه مرتبط بالعمل وبالحلم وبالسعي الدائم للعطاء ، وإنه يمتد إلى ما لا نهاية، انتظاراً لإشراقة الأمل الذي سيتحقق ولابد أنه سيضيء يوماً بعد ذلك الانتظار .