بوابة صوت بلادى بأمريكا

إدوارد فيلبس جرجس يكتب : محاكمة عزرائيل ( 2 )

 
 
 
أعلن مكبر الصوت ، عن وصول الطائرة القادمة من نيويورك ، هدأت حركة أقدام " جورج تيري " القلقة ، كانت تزرع صالة الانتظار جيئة وذهاباً ، في انتظار زوجته سيلفيا وطفله رونالد ، ولو توخينا الحقيقة كان قلقه على رونالد يفوق كثيراً اشتياقه لزوجته . تزوج من سيلفيا بعد انبهار شديد بحسنها وشخصيتها القوية ، لم يمض عام حتى فتر كل شيء نحوها ، اكتشف فيها الغرور الطائش بجمالها ، وشخصيتها التي تحولت من القوة للاستبداد بأرائها التي كانت تحيد عن الصواب دائماً .  انقلبت الحياة بينهما إلى جحيم ، وخاصة بعد اكتشافه لخيانتها مع صديق كانت على علاقة به قبل زواجهما ، وبالرغم من زواجها من جورج تيري عادت لعلاقتها القديمة مع هذا الصديق الذي ملأ عقلها بكلماته كاذبة عن الحب وذكرى علاقتهما القديمة . انتبه جورج من أفكاره عندما شاهد زوجته سيلفيا قادمة وطفلهما رونالد بين ذراعيها ، اندفع نحوهما يحمل لها الفتور ولطفله الاشتياق ، حمل طفله وسار إلى جانبها غير عابيء بها ، حتى أنه نسى أو تناسى أن يسألها عن أخبار أمها . لم يعجبها تجاهله ، اعتبرته إهانة في الصميم ، بمجرد أن دلفا من باب المنزل بدأت بينهما مشادة حامية الوطيس ، حاولت بجهد جبار أن تستفزه ، نجحت إلى أبعد الحدود ودفعته لصفعها ، لم يتمالك أعصابه بعد الفترة التي بالرغم من قِصر ساعاتها قضاهما في توتر وقلق على غياب ابنه رونالد ، خاصة أنه متيقن بأنه لن يستطيع الإنجاب ثانية بعد الجراحة التي أُجريت له . أمام كلماتها المستفزة ارتفعت كفه دون وعي وهوت فوق وجهها ، كانت الفرصة التي تنتظرها . سرعان ما امتلأ المنزل بالشرطة واقتادوه معهم بعد أن كثفت هجومها عليه بأنه إنسان متوحش ، أيدتها أثارالصفعة التي كانت لا تزال مرتسمة فوق وجهها . اعتصره الخوف وعصف به القلق ، ماذا لو أدانه القاضي وحكم بحرمانه من طفله الذي ملك عليه حياته ؟ خاصة أنه يعلم أنه لن يحظى بسواه طوال سنوات عمره . بالتأكيد ستنجح سيلفيا في الحصول على الطلاق دون مشاكل بعد هذه الصفعة ، ستحكم لها المحكمة بحضانة طفلها ، وسيقضي هو سنوات في السجن الله أعلم عددها ، سيصبح بعدها الطريق ممهداً أمامها مع الصديق الذي تخونه معه . ستفوز هي بكل شيء ويخسر هو كل شيء بالرغم من أنها هي المخطئة وليس هو . خرج من السجن بكفالة ضخمة بعد أن بذل محاميه جهداً كبيراً لينتظر تحديد موعداً لمحاكمته .  خلال مناوشة الأفكار داخل عقله المرهق ، برزت فكرة تجبره على تنفيذها ، قد يكون فيها الخلاص من كل مشاكله وما ينتظره من عقوبة قد تلقي به لسنوات عديدة خلف القضبان الحديدية . خطة للهرب هو وطفله رونالد إلى إيطاليا مسقط رأس الأب والأجداد . لن يهتدي أحد إلى طريقه ، أمواله السائلة يمكنه تحويلها إلى هناك ، ستكفيه هو وابنه لفترة طويلة وإلى أن يصبح ابنه قادراً على رعاية نفسه ، لا يهمه أي شيء في الحياة سوى أن ينشأ رونالد في كنفه ويحرم هذه المستهترة منه . سارت الأمور كما اشتهاها ، طاوعه الحظ طاعة عمياء ، تمكن من الوصول إلى إيطاليا مصطحباً معه طفله رونالد وابتعد عن مشاكل زوجته . لم تهتم سيلفيا كثيراً ولم تسع خلفه ، حصلت على الطلاق بسهولة ، لكن الصديق الأناني أدار لها ظهره ورفض الزواج منها ، لم تهتم كثيراً وألقت بثيابه إلى عرض الطريق ، معتمدة على مقومات حسنها للحصول على زوج جديد أو حتى صديق لا تسكنه الأنانية كصديقها القديم الذي تسبب في تقويض أسرتها . انحرفت إلى طريق الصداقات العابرة ، تخلت عن فكرة الزواج بعد أن فشلت علاقاتها أكثر من مرة . ضاعت حياتها كالكثيرات اللاتي يندفعن خلف مقومات الأجساد وتأثيرها على الرجال لينتهي بهن الطريق إلى نهاية حزينة وكئيبة ، لا أسرة ولا أبناء ، تتوكأ عليهم بعد أن تفقد الأجساد بريقها الذي يجذب الرجال .                                                                               
********
 ، ألقى جورج تيري الأحداث الماضية خلف ظهره عندما نجح في الهرب إلى إيطاليا ، لم يضع نصب عينيه سوى رونالد ومستقبله ، لم يفكر مطلقاً في حياته الشخصية ، اندمجت حياته مع حياة ابنه وصارت حياة واحدة . القدر العجيب له ضرباته التي لا يستطيع أحد أن يخمن من أين ستاتي ، أتت نحو جورج تيري من اتجاه لم يكن يتوقعه ودفعته لمصيره أسفل عجلات سيارة مسرعة ، لماذا ؟ لا توجد إجابة محددة ، الإجابة لا تعدو كلمة واحدة .. قدره . لم يبق لرونالد سوى الوحدة ، انتهى لتوه من دراسته الثانوية وكان على وشك الالتحاق بالجامعه عندما داست عجلات القدر حياة أبيه . ترك له مالاً وفيراً وثروة لا بأس بها ، وأيضاً ترك له المجهول بالنسبة لماضيه ، عندما هرب جورج تيري مع ابنه إلى إيطاليا محى تماماً كل شيء عن حياته السابقة بأمريكا ، ابتدع قصة جديدة من وحي خياله عن حياته السابقة ووضعها أمام ابنه رونالد ، أهم ما فيها أنهما وحيدان في الحياة ، صدقها رونالد والتصق بأبيه الذي يمثل كل أسرته ، فجأة مات الأب وفقد كل أسرته ، قسوة حاول أن يفسر أسباباها ولم يتمكن ، غيرت مساره للإتجاه الآخر تماماً ، الاتجاه المعاكس للطريق الذي نشأ عليه ،  دخل في عناد مع القدر الذي سلبه الأب عنوة وهو في أشد الاحتياج إليه ، دفن كل المباديء التي رضعها من ثدي الحكمة منذ نعومة أظافره . ظن أن السلوك المعوج أفضل عقوبة للقدر القاسي الذي استكثر عليه أسرته كلها المتمثلة في أبيه ، اغتصبها منه في لحظة وطرفة عين . سارت قدماه نحو أهل السوء ، تولدت علاقة حميمة بينه وبين " ألبرتو " من كبار مافيا المخدرات ، أصبحت حياته بعدها سلسلة من الهرب ومطاردة الشرطة وانتهت برصاصة غزت قلبه لتكتب النهاية التي من المؤكد أنها أبكت أبيه في قبره .
أرعد الصوت قائلاً  :              
_ هل علمت الآن أيها الغبي حكمتي  ، أيضاً لكل راكب من ركاب الطائرة  الذين أمرتك بانهاء حياتهم قصة ، وكل قصة تختلف عن الأخرى ، لكن كلها  كانت توجب وضع حداً لحياتهم عند هذه اللحظة .                                                           
_ أسمح لي ياسيدي أن أجرؤ وأسال .. لماذا حياة رونالد فقط هي التي أردت الإبقاء عليها !!                                                                              
_ هل لا تزال أيها الغبي تشك في حكمتي ، من أجل أن تقتنع بأن حكمي عليك سيكون عادلاً ، سأكشف أمام عينيك ماذا كان سيحدث لو أخذت روح الأم وعاش رونالد بدونها.
******
كتبت الصحف في اليوم التالي عن المعجزة ، سقطت الطائرة ولقى جميع الذين على متنها حتفهم ، عدا الطفل رونالد الذي لم يتم عامه الأول ، وُجد في حضن أمه التي فارقت الحياة ، وقد تعلق المقعد بقمة شجرة من أشجار الغابة الكثيفة التي هوت بداخلها الطائرة . لم يصدق جورج تيري أن ابنه الوحيد نجا بهذه الطريقة المعجزية ، خاصة أنه كان فاقداً الأمل في الإنجاب ثانية . انهمرت دموعه تروي وجه الطفل ، جدة وجد الطفل لأبيه سرهما أن يقوما برعاية حفيدهما ، رأيا فيه وجه ابنهما جورج عندما كان صغيراً. ذات يوم زارهم العم " فرانكلين " ، رجل تقي يحبه الجميع ، أنفق أعوامه الممتدة حتى المئة في أعمال الخير ، أخذ الطفل رونالد بين ذراعية قائلاً :         
_ نجاة الطفل بهذه المعجزة تُبشر بأنه سيكون له شأناً عظيماً.      
سُر جورج تيري والد الطفل كثيراً بكلمات العم فرانكلين ، تعهد الطفل مع جده وجدته بالنشأة الصالحة ، اشتد ساعد رونالد ووجدوا في داخله الاستعداد لاقتناء كل ما يجعل الإنسان عظيماً . سارت حياة رونالد من نجاح لنجاح ، أوصلته نجاحاته للتربع فوق كرسي الرئاسة بالبيت الأبيض ، أصبح رئيساً لأمريكا بجدارة واستحقاق . نجح في أن تكون أمريكا حاملة للقب سيدة العالم عن جدارة ، أصبحت أمريكا في عهده المثل الأعلى أمام شعوب العالم كله . تُسارع إلى نصرة الشعوب المستعمرة والمظلومة والمقهورة ، تساعد شعوب العالم الثالث الذي يهلك منها الكثير تحت وطأة المجاعات ، حملت شعلة الحرية وحقوق الإنسان ، حولت التسليح النووي لسلاح لخدمة البشرية والسلام دون تمييز أو محاباة بين دول العالم . طبقت المثل الذي يقول " سيد القوم خادمهم " . النتيجة الرائعة لكل ما فعله الرئيس رونالد خلال سنوات حكمه ، هي امتداد يد الجميع نحو أمريكا في صداقة وتعاون للقضاء على ظاهرة مدمرة للبشر والبشرية ، وكل ما هو إنساني ويمت للإنسانية ، ظاهرة الإرهاب التي تفشت في العالم بشكل غير محدد الهوية ، وأصبح قتل النفوس البشرية هواية لمجموعة من هواة سفك الدماء . لكن امتداد يد الجميع لصداقة أمريكا ، نجحت في القضاء على هذه الظاهرة البشعة ، التي قد يكون أهم أسبابها خواء المعدة والعقل والقلب . نجح العالم المتحد في القضاء عليها بعد أن فشلت المعارك والحروب حتى لمجرد الحد منها . هذا ما فعله الطفل رونالد الناجي الوحيد من حادثة الطائرة ، ومع الأيام أصبح رئيساً لأمريكا ، أو بالمعنى الأدق الذي كان مسطراً له أن يصبح رئيساً لأمريكا . خطأ واحد تسبب فيه عزرائيل ولأول مرة  بتدخله في الإرادة الآلهية ، حول مجريات الأمور .                                                       قال عزرائيل وهو مطأطيء الرأس خجلاً :                                         
_هل أنا تسببت في كل هذا يا سيدي بإبقائي على حياة الأم !!                          
_ نعم .. الحـكمة الآلهية ، لا تـقبل التدخل من أي مـخلوق مهما كانت صفته ، لأنــها تراعي ميزان العدل بالشعرة ، لكن البعض يظن أحياناً أمام موقف صعب واجهه أن هناك ظلم وقع عليه ، لكن لو علم البشر الغيب لاختاروا الواقع .             
_ لكنك يا سيدي رب الكون ويمكنك إصلاح أي خطأ تقع فيه المخلوقات ، في محاولة للتمرد على حكمتك ، بقصد أو غير قصد كما حدث معي .                              _ نحن نترك المخلوقات أحياناً في محاولتها لتغيير حكمتنا كما تقول ، نسمح بهذا التمرد ، حتى نثبت لهم أن حكمتهم لا شيء أمام الحكمة الآلهية ، ولنرى سلوك بعض العقول التي تعوج أمام مغريات العالم إلى أين ستقودهم ، بالرغم من أننا ساوينا بين العقول منذ خليقتنا لآدم ، وهذه أجل صفة في الحكمة الآلهية ، أن نترك الخيار للعقول ، حتى لا يشك أحد في عدالتنا عند حسابه في الآخرة ، وأنه كان مسيراً وأنه فعل ما فعل نتيجة لهذا التسيير .                     
_ هل يسمح لي سيدي العادل بسؤال ؟                                              
_من حقك فأنت أمام محكمة العدل السمائية .                                          
_ لقد كشفت لي عن ماذا كان سيحدث لو كانت الطائرة هبطت سالمة بركابها بالنسبة لسلفيا وابنها رونالد ، وأخفيت عني حكمتك بالنسبة لإنهاء حياة باقي الركاب ، وفهمت أن لكل واحد موقف خاص به كان يتطلب إنهاء حياته في هذا التوقيت . وأيضاً كشفت لي ماذا كان سيحدث لو لم ينج سوى الطفل رونالد دون أمه ،  ولكن هل يحق لي أن تكشف لي  كيف ستسير الأمور الآن ، بعد أن تحطمت الطائرة بركابها ، وتسببت بخطئ في الإبقاء على حياة سيلفيا والدة رونالد .            
_ ليس من حـقك الآن أن تسأل عن المستقبل ، ولم يبق شيء سوى أن تنال عقــاب مخالفتك لأمري ، وكما طردت آدم من الجنة ، المفروض أن أطبق عليك نفس الحكم ، لكنك لست بشراً ، ولذا سيكون الحكم عليك بالسجن لأجل غير مسمى .   
_ الرحمة يا سيدي ، هل سترسل بي إلى سجون البشر ، أنت تعلم ما يحدث هناك ، من امتهانات للكرامة والتعذيب ، ومعاملة مجحفة ليس بها إنصاف على الإطلاق ، الموت أرحم منها سيدي .                                                                  
_ لقد قلت لك أنك لست بشراً ، وبالتالي لن تموت ، ولن تسجن في سجن البشر .      بارقة أمل ومضت داخل عينيه :                                                       
_ أشكرك سيدي ، لا بد أن عدالتك تخيرت لي سجناً بين الأرض والسماء .            
_ الخطأ الذي ارتكبته يستوجب عقاباً أشد من هذا بكثير .  
وإلى اللقاء مع الحلقة التالية ؛                                            
 
 
 
 
 
 
 
 
  
 
  
 
 

أخبار متعلقة :