بوابة صوت بلادى بأمريكا

د. أحمد فرحات يكتب : الغموض في شعرنا القديم

 
 
وأما قول المُفَضّل النُّكْرِيّ: 
وسائلةٍ بثعلبَةَ بنِ سيرٍ      
    وقَدْ أودَتْ بثعلَبَةَ العَلُوقُ
فقد أراد الشاعر بثعلبة بن سير ثعلبة بنَ سيَّارٍ، وغيره للضرورة الشعرية، وقد أدرك ابن السكيت هذا المعنى نظرا لتمكنه من معرفة القبائل وأسماء أبنائها وأنسابهم. والعَلُوق كل ما يعلق بالإنسان. فهي صفة غالبة، ولذا فالمنية علوق( ). والمعنى عندئذ يدور حول سؤال أحدهم عن المصير الذي آل إليه ثعلبة بن سيار الذي عرف عنه الفتك والبطش، فيعلن الشاعر أنه قد قتله كغيره من الأبطال الذين قتلوا في المعركة. فالغموض الذي اكتنف البيت ناتج عن عدم معرفة القارئ بعَلَم من الأعلام، كان معروفا آنذاك ولم يكن في البيت أي غموض حال قول القصيدة. 
ولعل قوله أيضا في نفس القصيدة:
 وهُمْ دفَعُوا المنيَّةَ فاستَقَلَّتْ   
       دِراكاً بعدَ مَا كادَتْ تَحيِقُ
يبين أن الغموض لم يكن مقصودا لذاته، بل هو أمر عارض، وبمجرد معرفة المعنى يزول الغموض ويتضح البيت. فالشاعر يقول إن أعداءه دافعوا عن أنفسهم بكل ما أوتوا من قوة، بغية رد الموت عنهم، ولكن هيهات فالموت نازل بهم لا محالة، ومحيط بهم من كل صوب،  يقول ابن قتيبة: يريد أنهم رفعوا الراية وتحتها المنية، دراكا متداركا، تحيق أي تنزل بهم، ومنه قوله تعالى: " وحاق بهم ما كانوا يستهزئون" (هود-8)( )، وقوله أيضا:(الوافر)
فلمَّا استيقَنُوا بالصبرِ منَّا         
 تُذُكِّرَتِ العشائِرُ والحَزِيقُ( )
يقول: لما عرفوا الصبر منا انهزموا، وولوا عند ذكرهم قومهم وجماعتهم. 
والشاعر الحارث بن وَعْلَةَ الجَرْمِي:
فِدىً لَكُما رِجلَيَّ أُمِّي وَخالَتِي  
      غَداةَ الكُلابِ إِذْ تُحَزُّ الدَّوابِرُ( )
يمدح الشاعر نفسه في هذا البيت، ويفدي رجليه اللتين ساعدتاه في النجاة من الأعداء، يوم الكلاب، ويشير إلى هول المعركة وشدتها، بأنها كانت تنزع الأرواح من الأبدان.  يقول ابن قتيبة في تفسير هذا البيت: هذا رجل كان يغدو ساعة، ويركب فرسه ساعة، حتى نجا، وتخر الدوابرأي تقطع الأصول، ومنه قولهم: قطع الله دابر فلان( ). ومن ذلك أيضا قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي: 
هَزَمنا إِذ لَقينا جَيشَ رَعلٍ   
     وَذَكواناً وَجَمعَ بَني خُفافِ
وَما أَن طِبُّهُم جُبنٌ وَلَكِن
        رَمَيناهُم بِثالِثَةِ الأَثافي( )
ثالثة الأثافي: قطعة من الجبل، ومعناها أن يوضع أثفيتان إلى جانب قطعة من الجبل، ثم توضع القدر على الأثفتين، والقطعة من الجبل. ومن أمثال العرب: رماه بثالثة الأثافي، أي بما يهلكه( ).  
وثمّة في أشعار هذه الطائفة من الشعراء مفردات وتراكيب لغوية تفيد اتساعا في المعاني، إذ تأخذ اللفظة أو التركيبة اللغوية احتمالات معنوية متعددة، كما في قول (العُديل بن الفرخ): 
ظللتُ أُساقي الهَمَّ إخوتي الأوُلى
 أبوهم أبي عند المزاحِ وفي الجدِّ
إذ يشير المعنى الظاهر إلى أن إخوته الذين يذكرهم، من أبيه سواء في المزاح أو في الجدّ من القول، مثلما يشير المعنى الآخر إلى أنهم إخوته من أبيه ومن جدّه على السواء. ومن ذلك أيضا قول حسان بن ثابت الذي قيل عنه إنه أنصف بيت قالته العرب: 
أَتَهجوهُ وَلَستَ لَهُ بِكُفءٍ       
 فَشَرُّكُما لِخَيرِكُما الفِداءُ
قاله حسان بن ثابت لأبي سفيان بن الحارث في جوابه عما هجا به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويؤكد ذلك ما حكاه الصفدي" عن محمد بن سيرين قال: كان يهجو النبيَّ صلى الله عليه وسلم جماعةٌ من قريش: عبد الله بن الزِّبَعْرَى وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعمرو بن العاص. فقال حسّان: يا رسول الله ايذن لي في الرَّدِّ عليهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فكيف وهو منّي، يعني أبا سفيان. فقال: والله لأسلنَّه منك كما تسلُّ الشَّعرة من العجين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا حسان فائت أبا بكرٍ فإنه أعلم بأنساب القوم منك. فأتاه فقال له: كفَّ عن فلانة واذكر فلانة فقال حسّان: 
هَجَوتَ محمداً فأجبتُ عَنْهُ
 وَعِنْدَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ
فَإنّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي  
        لِعِرْضِ مُحَمّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
أتََهجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفءٍ
          فَشرُّكُما لِخَيرِكُمَا الفِدَاءُ
قلت: قال علماء الأدب هذا أنصف بيت قالته العرب( )"؛ فقد أشار حسان – بحياد تام – إلى أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-أكمل الخلق، وأتمهم خلقا، وأن أبا سفيان لن يطاول رسول الله في هذا أبدا، وقد آثر حسان هذا النسق اللغوي الذي مُدِحَ به من الأدباء والنقاد في القديم، واستحسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له " جزاؤك على الله الجنة يا حسان". وظاهر البيت أن حسان يفاضل في الشر، بين  رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين أبي سفيان، وهذا يعني أن الشر صفة في كليهما، وهذا فهم خاطئ مغلوط؛ لأن حسان في موضع مدح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهجاء لأبي سفيان، وقد أشار البغدادي –وهو بصدد تفسير هذا البيت-إلى قول سيبويه فقال: ولكن سيبويه قال: مررت برجل شرّ منك، إذا نقص أن يكون مثله، ونحو ذلك قول الرسول – صلى الله عليه وسلم-:" شر صفوف الرجال آخرها" يريد نقصان حظهم عن حظ الصف الأول. كما قال سيبويه، ولا يجوز أن يريد التفضيل في الشر. والله أعلم( ).. وبذا مُدِحَ حسَّان.

أخبار متعلقة :