بوابة صوت بلادى بأمريكا

حوار | الفيلسوفة الناعمة الشاعرة والروائية التونسية وفاء بوعتور : " تشكّل نصوصي الشّعريّة مأزقا حقيقيّا للقارئ التّقليديّ الذّي تربّى على تخليطات الخمول والمهادنة والتقنّع والقراءة الجلديّة النّهّاشة للنّصوص"

الفيلسوفة الناعمة
الشاعرة والروائية والفنانة التشكيلية  التونسية وفاء بوعتور : " تشكّل نصوصي الشّعريّة مأزقا حقيقيّا للقارئ التّقليديّ الذّي تربّى على تخليطات الخمول والمهادنة والتقنّع والقراءة الجلديّة النّهّاشة للنّصوص"
حاورها : حاتم عبدالحكيم 


خلاصة من تصريحات الشاعرة وفاء بوعتور
_ مناخات الكتابة الشّعريّة عندي تنتقل من الجسد «مسكن الخطيئة» إلى الجسد «موطن الإبداع »  . 
_ نوال السّعداوي ( التّي أرى كثيرا منها فيّ ) ذات فيض على ياقة الحرّيّة والنّور والإباء. 
_ النّهد في شعري خامة لغويّة طازجة يتولّد منها أو عنها أو حولها تشكيلات وتنغيمات شعريّة شائقة التّجريب. 
_ الدين والسّياسة هما بشكل ما امتدادان تأويليّان للذّات كجسد وفكر. 
_ لا شكّ أنّ كثيرين قبلي تحلّقوا حول النّهد والتّراث الإنساني للأدب زاخر بالأمثلة. 
_  رغم كلّ ما كُتب من بوارق وروائع حول النّهد فإن طَرْحي الفنّي أو ما أسميته بمشروع " تحدّي ألف نهديّة ونهديّة " ليس بمستنسخ أو مشوب.
_ أحذّر القارئ العربي من خطر الانسياق وراء الذّهنيّة الميكانيكيّة الجاهزة والانفعالات الحماسيّة الخرقاء. 
_ نهدي كان فكرة أشقتني وهو أسمى ما كتبت وعلى قدر أهل الفهم تشرق حكمتي.


 

أحدثت الشاعرة التونسية المثيرة للجدل وفاء بوعتور صاحبة رواية شالوم ورواية آية صوفيا 


 ضجة كبيرة في مجال الأدب والثقافة من أجل إصدراها الديوان الشعري (نهديات السيدة واو «١ ، ٢ »)  ، فهي تستخدم وتتفاخر بنهديها الرمزي في سياق مختلف للتعبير بإيحاءات جنسية وإباحية عن موضوعات متعددة كالحرية والإبداع والجمال ومحاربة الجهل والوقوف ضد الظلم، وتستنكر تصنيفها على أنها شاعرة الجنس  ، وبحسب وصفها حول النهد في شعرها هو الخامة اللّغويّة الطازجة التّي يتولّد منها أو عنها أو حولها تشكيلات وتنغيمات شعريّة شائقة التّجريب، ومن ضمن إهداءات الشاعرة كانت للكاتبة الراحلة د. نوال السعداوي

حيث استخدمت الشاعرة نهدها الرمزي تعبيرا عن سقوط الإمام والتسلط الذكوري في المجتمع داعمة بذلك لأفكار الكاتبة  .
وكل ذلك يفتح شهيتنا بالبحث حول :
هل الشاعرة تُتاجر بجسدها أم تتجرأ بالإبداع ضاربة بالعادات والتقاليد عرض الحائط ؟ وما الغرض من استخدامها النهد في شعرها؟ وهل هي كاتبة نسوية جديدة أم ترفض تصنيف الكتابة من حيث النوع ذكر وأنثى  ؟ وهل تزيد من فتح الآفاق لقراءات متجددة وتأويلات مختلفة للنصوص أم تستفز مشاعر المتلقي ؟
ومن سبق قلمها  بالتحلّق حول النّهد؟
 وهل إبداعها المثير لم يتضمن حسنة تدافع عن حياء الشاعرة كأنثى ؟ وهل تعمق نظرتنا ما بين الرمز والواقع المرئي والخفي الحقيقي والخيال ؟ وهل فلسفة الشعر قد تنتج لنا شطحات ؟
 

*| الحوار |
سال حبر قلمك حول الجنس الذّي يعدّ واحدا من الثّالوث المثير (الدّين والسّياسة والجنس) ..ما الغرض الشّعريّ في استخدام النّهد رمزا  لديوانك ؟ 


" أنا امرأة ممنوعة من التّداول، يريدون إخفات صوتي وكتبي وفكري، ولو عاد بي الزّمن للوراء سأكون أكثر تمرّدا وثورة ممّا كنت في جميع مراحل حياتي"، لأجل ذلك، " يجب أن أكون أكثر صراحة، يجب أن أكون أكثر عدوانيّة لأنّ العالم بات أكثر عدوانيّة، ونحن بحاجة إلى أن يتحدّث النّاس بصوت عالٍ ضدّ الظّلم" هكذا صدحت أيقونتي نوال السّعداوي ( التّي أرى كثيرا منها فيّ ) ذات فيض على ياقة الحرّيّة والنّور والإباء، ومحال أن نستطيع التّحدّث بهكذا صوت عالٍ ضدّ الظلم ما لم نحطّم بالعقل أوثان المحرّمات الثّلاث : الجنس، السّياسة، الدّين، كذلك هو الشّأن مع مزاج حبري، فليس لديّ أيّ محظورات في الكتابة ولا أخضع إلّا لسلطان رقابتي الذّاتيّة وما كان يوما حرفي حكرا على " الآيروس" فمنذ إصابتي بلوثة الأدب اخترقت الثّالوث المحجّر بمقادير متفاوتة في مجمل أعمالي المنشورة :

رواية " شالوم" ( صُنِفت إيديولوجيّة سياسيّة، جُمِّد طبعُها لثلاث سنوات وتعرّضت جرّاءها للتّهديد بالسّجن والقتل ) و " نهديّات السّيّدة واو " ( مجموعة شعريّة أولى وثانية)، والتّي لا تزال منها قيد الكتابة بعد :  " روايتَيْ " روتاريا " و " آية صوفيا "،  كما أنّني لا أعتقد في وجود حدود نهائيّة مغلقة بين التّابوهات التّي أراها أقرب لكرة حميميّة ملتهبة شائكة الحشى، فالدين والسّياسة هما بشكل ما امتدادان تأويليّان للذّات كجسد وفكر  وعليه فإنّه لا وجود للدّيني والسّياسي خارج مقولة الجسد، وكتاباتي الشّعريّة عامّة تستحضر السّياسي والدّيني وتستبطنه كمجموع قيم وأفكار ومبادئ ورؤى ومواقف تقييميّة ونقديّة مبطّنة وغيرها ضمن دفقات نثريّة  تتزركش حسب أطر وأساليب وغايات توظيفها وذلك عبر آليّات الجسد (النّهد) كغطاء إغوائي انزياحيّ وطُعم جنسيّ شرعيّ. إليكم نماذج نثريّة أتّبع فيها من خلال مجهر " النّهد " لعبة هذا  الخليط من الإضمار  والتّورية والإدهاش ووصفة " الكيّ هو آخر الدّواء " :

-1-
هو ذَا نهدي
الكُحُوليُّ...
الحاقِد...
يشُرُّ دسِمًا
دامِسًا...
بذيئًا...
خليعًا...
غليظًا...
جائحًا...
من شِفَاهِ الحانات
والإيروسِيّات...
والأُلوهيّات...
والعنْتريّات...
والنّزاريّات...
والدُّونكيشُوتيّات...
وسرير...
" الجميلات النّائمات "
والكورونيّات...
وقَحْب الحُكُومات
الإسلامَوِيَّة ...
المُتَعَاربة...
وأشْدَاق الأيُور
الرِّقِّيعة المُوغِلةِ
في دمَاءِ الوطن
 ووطَنِ الدِّماء-الأُمّ
" فِلَسْطيني الذَّبيحة ".


-2-
في قاعة الشّعب المَنِيك:
" نُرِيدُ وَطَنًا ! "
أخْرَجْتُ لَهُم إذْ ذَاك
نهْدا مبْيُوعًا...
محْرُورًا...
محشُوّا...
مَلُوكًا...
خَنِزًا...
دَبِقًا...
شَرْشَرًا أفّاقًا
لا يختلف كثيرا
عن خِطَابٍ سياسيٍّ
كُرَوِيِّ الوعُود.


-3-
سقطتْ قِنّينةُ اللّه
على نهدي...
فأنجبتْ...
شاعرة    !

-4-
الزّمن : ضجّة عُري
المكان : نحن
الحال : بين الجنون و دسامة الكُفر 
...
وإذْ بِه يْنقلبُ إلى نهدي البَحْت
يُطوِّح ويَضرب...
ويبَلِّل ما يبلّلُ...
بسخونة خنجرٍ 
حيويّ...
عصبيّ...
سَبْطٍ...
صَلْتٍ...
مَرِعٍ...
لَذٍّ...
متكتّل ...
كَرَعْدَة...
أو سحر...
يتفتَّحُ له قُرْحي...
وملح عجينتي...
وجُنْد قريحتي...
و " المصابيح الزُّرق " 
و " طوق الياسمين "
و " ذاكرة الحكّائين "
و " نداء البداوة "
و " أفراح القُبّة " 
و شهيّة الرّبّ...

 إلّا أنّ النّهد في شعري لا يقف عند وظيفة الغطاء الإغوائي الانزياحيّ أو الطُّعم الجنسيّ الشّرعيّ أو المجهر الفنّي، بل هو يتخطّاه إلى مفهوم الخامة اللّغويّة الطازجة التّي يتولّد منها أو عنها أو حولها تشكيلات وتنغيمات شعريّة شائقة التّجريب مشحونةُ الإيحاءات والتّرميز  تنتفي معها الحُجُبُ بين الخارجيّ والجوّانيّ، وهو أيضا منطلق فلسفيّ إشكاليّ - تشكيليّ للعالم ومنهل دلاليّ لا متناهي وبؤرة جذريّة - كونيّة ألوهيّة للمعنى ودوران وجوديّ – جماليّ مستمرّ حول كنوز عامرة ناضرة  سرّا وراء سرّ، نهد يتّخذ ميثيولوجيّة خاصّة به، يدور في فَلَكها العشق والأمومة والخصوبة والوطن والبعث ورقرقة الأجساد وشهوة البياض والخلود...و...و...إلخ هو أحيانا فرس...وتارة هرّة...وطورا فرخ حبارى...وهكذا وهو وجه ل"ديونيزيوس" و" أبوللّو" و" أفروديت" و" جلجامش " وغيرها من عناصر ورموز أسطوريّة يونانيّة ورومانيّة وفرعونيّة...
 نهد السّيّدة واو (الشّخصيّة الفنّيّة لا وفاء بوعتّور) هو – إذا صحّ لي التّعبير - "ميثولوجيا شعريّة " شاملة من الرّموز المنصهرة الخلّاقة لعالم خاصّ - مفتوح  له لغته وفصاحته وصرامته وإحكامه ومشهديّته وشرايينه ولمحاته التّشكيليّة واستلهاماته الموسيقيّة وسرياليّته وإمتاعه وتِبرُه الجماليّ الخالص. ولمّا ذهب البعض إلى أنّ الكلمة إذا كثُر استعمالها اُبتُذلت وشاعت وصارت مَلُوكة حتّى رثّت، فإننا نشير في هذا الصّدد إلى تجدّد لفظة " نهد " مع كلّ صياغة تعبيريّة مستحدثة ، ولئن كنتُ أقدح زناد الفكرة بنفس اللّفظة في كلّ ومضة فبطاقة نفي وتنويعات و بشكول شتّى تُفتضّ معها بكارة حلم وصور ومساحات عذراء لذلك فإنّ كلّ تنويعة نثريّة  ليست من باب الاجترار أو التّرف المجازيّ وإنّما هي استلهام جماليّ فريد وخلق إيحائيّ  جديد وعجينة لغويّة يتيمة الخلطة والبصمة والرّوح وإن تشابهت مع ومضات أخرى. ولعلّكم تتحسّسون في الومضتين الآتيتين بعض إنارة :

- 1-
مع كلّ
قَصيدٍ ينبلج
أشتري لوْنا جديدا
لِنهدي
من فراشَةِ...
" درويش "

-2-
سأظلُّ أعْركُ نهدي
ماكرا
بحِرْفة شَاعرةٍ
رقْطَاء
وأُشكِّله
غيمةً مُتربةً
أو قطّة عاشبة
أو لحمة راهبة
أو شهوة طاعنة
أو " لا نهاية "
في وعاء
فقط...
لأكرع من...
ذهول القرّاء...
وأشباه الشّعراء
ولنْ أشبع...
حتّى يسجدوا
أو يدخلوها...
بجنون...
آمنين

 

من سبق قلمك  بالتحلّق حول النّهد ؟


لا شكّ أنّ كثيرين قبلي تحلّقوا حول النّهد والتّراث الإنساني للأدب زاخر بالأمثلة، أسوق لكم على سبيل الذّكر والإثراء لا الحصر بضع طُلقاء وفُصحاء ونماذج شعريّة من الجاهليّة حتّى راهننا : 

عليّ ابن الجهم : 
كنتُ أشتاقُ فما يحجزني   *   عنك إلّا حاجز  يعجبني
ناهد في الصّدر  غضبان على *   قَبَبِ البطن وطيِ العُكن
شاخصا ينظرُ إعجابا إلى   * غيْد الجيد وحُسن الذّقن
يملأ الكفّ ولا يفضِلُها  *  فإذا ثنّيته لا ينثني

النّابغة الذّبياني :
والبطن ذو عُكَنٍ خميص طيّه * والإتْبُ تنفجه بثدي مُقعد

عمرو بن كلثوم :
 وثديا مثل حُقِّ العاجِ رخصًا * حَصَانًا من أكُفِّ اللّامسينا

ابن الرّوميّ  
صدورٌ زانهنّ حقوق عاجٍ  *  وحليّ زانَه حسن اتّساق
يقول النّاظرون إذا رأوه *  أهذا الحُليُ من هذي الحِقاقِ؟
نواهد لا يعدلهنّ عيبٌ*   سوى منع المُحبّ من العناق

ابن المعتزّ
لا ورمّان النّهود   *فوق أغصان القدود
وعناقيد من الصُّدّ *  غِ وورد من خدود
ووجوه من بدور * طالعات من سُعود 
ورسول جاء بالميعادِ *   من بعد الوعيد
ونعيمٍ في وصال *  حلّ من طول الصّدود

الأعشى
قد نهد الثّدي على صدْرِها
في مُشرقٍ ذي صَبَح نائر

شوقي الصّليعي 
" لا تسلني "
أصيح بتوأم مثل القوافي
كأمهار تنافرها فهود
فيضطرم المِدقّ وقد أثِرْنَ
بإيقاع يهزّه النّشيد

نعيم عبد مهلهل
" قصائد لحلمة النّهد فقط"
دعيني أمتصّ العسل وأطير بخيال قصّة لماركيز
دعيني أستنشق حليب نهدك كلّه ولا أشربه
فحين تغنّي الأنوثة
ذكورتي تصبح ذئبا من ورد

أحمد الحضراوي
 " النّهد الخالد "
النّهد أوحى للفم الظّمآن ماءْ
أوحى له من كأسه أصل الدواءْ
أوحى له قربا ولمس أصابع
شمّا وضمّا واحتراقًا وارتقاء
نفَس يطير إليه ملء تضرّع
وتطلع للحلمتين كما الدّعاء

أحمد عبد المعطي حجازي 
" كان لي قلب "
وكنتِ بحافةِ المخدعْ
تردّين انبثاقةَ نهدكِ المتْرَعْ
وراءَ الثوبْ
وكنت تريْنَ في عيني حديثاً.. كان مجهولاً
وتبتسمين في طيبهْ

نزار قبّاني
 " نهداك "
نهداك وحشيان.. والمصباح مشدوه الفم
والضوء منعكسٌ على مجرى الحليب المعتم
وأنا أمد يدي.. وأسرق من حقول الأنجم
والحلمة الحمقاء.. ترصدني بظفرٍ مجرمٍ
وتغط إصبعها وتغمسها بحبرٍ من دمي..
يا صلبة النهدين.. يأبى الوهم أن تتوهمي
نهداك أجمل لوحتين على جدار المرسم..
كرتان من زغب الحرير، من الصباح الأكرم
فتقدمي، يا قطتي الصغرى، إلي تقدمي..
وتحرري مما عليك.. وحطمي.. وتحطمي..

مظفّر النّواب
 " وتريّات ليليّة "
في تلكَ الساعة مِنْ شَهوات ِ الليلْ
وعَصافير الشَوك الذهَبيه
تَستَجلي أمجاد مِلوك العَرب القُدَماء
وشُجَيرات البر ِ تَفيح بِدف مراهقةُ بدويه
يَكتَظ حَليبُ اللوز ِ ويقطُرُ مِن نهديها في الليل
وأنا تَحتَ النِهدَينِ إناءْ

محمود درويش
...قال : نهداك ليل يضيء الضّروريّ
نهداك ليل يُقبّلني. وامتلأنا أنا 
والمكان بليل يفيض من الكأس...
تضحك من وصفه. ثمّ تضحك أكثر
حين تخبّئ منحدر اللّيل في يدها..


ولكن رغم كلّ ما كُتب من بوارق وروائع حول النّهد فإن طَرْحي الفنّي أو ما أسميته بمشروع " تحدّي ألف نهديّة ونهديّة " ليس بمستنسخ أو مشوب إذ هو أشهر مروقه اللّذيذ عن الأنماط الشّعريّة المألوفة والسّياقات التّقليديّة رافعا رايات الاختراق والطّرافة و "مهاجمة المستحيل" وتفجير مكامن النّفس البشريّة وفكّ العقد النّفسيّة والتّقليديّة الصّمّاء الموروثة - الذي نحن أحوج ما نكون إليه اليوم –  هناك، حيث الجزالة ولذاذة الغوصُ في الغمْرِ والاندلاق المتحرّر من تعقيد التّفقيه وخشب القولبات والصّيغ اللّغويّة التّقريريّة التّسجيليّة وتشابه المسارات التّعبيريّة المهترئة والمطابقات والنّمذجة والخانات وحيث جنون متاهة الاستشكال (أي التّجاوز المستمرّ للأشكال) والتّساؤل العابر للزّمنيّة والمثال الأنصع للتّجويد وبراءة التّركيب وهارمونيّة المفردات وبراعة الصّياغة ونبوغ الحِسّ والتّجديد في طرائق التّعبير ، إنّما أنتم مع" نهديّات السّيدة واو "إزاء ظاهرة أدبيّة من الطّراز النّفيس و رُؤية جديدة تجديديّة طازجة للشِّعر النّثري التّي تحمل معها أساليبا وأشكالا ومضامينا فنّيّة طارئة على ملامح النّثر العربي المعهود يمثّل معها التّوليد الدّلاليّ المتجدّد المتحرّك اللّامحدود داخل مجرّة شعريّة - فلسفيّة متمركزة حول  كلمة مخصّبة بعينها " نهد " تحدّيا بلاغيّا غير مسبوق في تاريخ الأدب القديم والحديث ، هذا زعمي وتبقى "الكلمات التّي تصدر منّا تعرف عنّا أكثر ممّا نعرف نحن عنها".

 

تكتبين الرّواية والشِعر..أين يتفوّق إبداعك؟ 
يصعب حسمي في حُكم التفوّق في حين باستطاعتي أن أؤكّد أنّه رغم اشتراك الملامح حينا وفروقها أحايين أخرى بين الكتابة الرّوائيّة والشّعريّة ( سيما ونحن في عصر العبر نوعيّة وتماهي الأجناس الأدبيّة) فإنّ الإجادة والفصاحة والشّعريّة والإحكام وخلق الجماليّات الفريدة الآسرة والحرف الحارّ المتجدّد أبدا سمات قارّة- إجمالا- في قلمي وأجزم – كما أترك لكم الحُكم أنّني أملك قلما سَنِينًا وطابعا دالّا عليّ ماثلاً مائزًا تميّز الرّفعة الفنّيّة والسموّ . 


تكتبين بقلم الإباحيّة الواضحة حول النّهد، كيف يمكننا التّأكّد من أنّ هذا النّهد المنتصب استعدادا للطّيران بالحرّية والإبداع لا يحمل فتنة خلف السّتار؟ 


أرى - أو هكذا صوّر لي وعيي النّقدي الانتفاضيّ وحساسيّتي اللّغويّة - أنّه أصحّ أن يقال أنّني أكتب بمجازيّة عالية الجُرأة متمكّنة وشديدة الأسر حول النّهد تُعنى بالماديّ والباطني والوجداني والفلسفي والإلهي في آن ومنه تنبجس طاقتي وميزتي وإضافتي وأحابيل بلاغتي المورقة، فمناخات الكتابة الشّعريّة عندي تنتقل من الجسد "مسكن الخطيئة " إلى الجسد "موطن الإبداع الصّريح والصّراعات والتّحليق الحُرّ وانتفاء الأزمان " وهي مرتبطة بالفضاء الإنساني المُطلق وليست حِكرا على الجنسي، وحُقّ لي في هذا المقام أن ألمّح إلى استيائي واستنكاري من تلقيب الكثيرين لي ب " شاعرة الجنس " ، تماما كما حُصر  سابقا نزار قبّاني في لقب " شاعر المرأة " رغم رحابة وفيض حرفه على هموم الوطن والقضيّة وغيرها، وقياسا فإنّ احتسابي على ما يُوصَّفُ بالشِّعر الإباحي - على لا محدوديّته وقداسته وشائكيّته - فيه جَورٌ على قلمي إذ أنا اجترحت لنفسي عالما شعريّا فذّا له أصالته وعبقريّته وابتداعاته وفردانيّته ونغماته ومكابداته وغوامضه ومفاتيحه يُجنّح معه "النّهد" في مستويات إيروسيّة  وجوديّة صوفيّة من الوضاءة الإنسانيّة الشّاملة التي وإن نبّهت أو هيّجت في بعض من شواغلها غريزة الجنس الكامنة في الإنسان أو عمّقت الشّهوات الجسميّة وما يشعله ظمؤها من هلوسة في النّفس بلحظات الانفجار الحسّي  فليس كهدف نهائيّ أو بأسلوب أدبيّ مكشوف دميم منفّر القُبح والعكارة والهُزال وإنّما في دربة فنّيّة عالية مغلّفة بضباب شعريّ عامر بالحرارة والطّزاجة والتّلوين يعانق الكُلّي والموج الأبديّ. ولا يفوتني أن أدين بالشُّكران- بخاصّة- لعملاق الأجيال وأب الحداثة وطِفل الربّ والجمال وأليف الرّوح إدوار الخرّاط الذّي سقاني من مدرسته وألقى بثماره على أدبي  وأودعني من ألوهة حرفه وجسّر حواجزي إلى عوالم الإيروس والإنسان والجمال الرّاجحة لحقيقة الذّات وخفايا الأرواح والرّؤية الدّاخليّة. 
نأتي الآن لموضوع الفتنة المحتملة خلف ستار هذا النّهد المنتصب استعدادا للطّيران بالحرّية والإبداع، ألا ترون معي أنّ مفهوم النّهد ومن ورائه الأنثى لصيق في العقل العربي الجمعي بالجّسدانيّة الخطّاءة السّافرة؟ أستفهمكم على شفاه الكاتب المصري المُغتال فرج فودة " لماذا المرأة لديكم مرتبطة بالفتنة...إن ابتسمت فهو الإغراء، إن ضحكت فهو الفجور، إن كشفت وجهها فهو السّفور، إنّ غنّت فهي الإثارة وإن تحدّثت بقول ليّن قالوا إنّها تخرجك من دينك ! أيّ عقليّات هذه !!! " من قال أنّ جسدا متوفّز الذّكورة لا يشي بفتنة ما ؟ لماذا لا تطال سبّابة وأقفاص الاتّهام إلّا أعضاء النّساء؟ أليس في ذلك حيف وظلم وعنصريّة بيولوجيّة وفتنة طبقيّة أخطر وأنكى ؟ ألا آن لكم أن تخرجوا من مسخرة "الضّلع الأعوج " والمرأة كائن " ناقص الأهليّة الإنسانيّة "؟! ألا وعيتم أنّ مكمن الفتنة الحقيقيّ هو في عقولكم البالية وتحرّرتم من عُقد وتعقيدات العقليّات ذات الطّابع الأبويّ المقيت، وعلى قول الدّكتور خالد منتصر: "بدلا من نشر نظريّة الحلوى المكشوفة لماذا لا نحاول إصلاح أخلاق الذّباب ؟ " وفي سياق موازٍ عوض إدانة مفاتن الأنثى أليس من باب أعدل وأنجع وأحكَم لنا أنسنةُ تمثّلنا لمفاهيم الجسد والجنس والمرأة ؟ فأيّ نهد هذا هو المثير للفتن ؟ نهد وفاء بوعتّور أم نهد السّيّدة واو ( الشّخصيّة الفنّيّة المتجلّيّة في أغلفة دواوين النّهديّات والتّي تحدّثتُ عنها في حوار مع الصّحفي القدير محمّد لطفي بجريدة البوّابة نيوز  )؟ أم نهد اللّغة (القيمة التّصويريّة – الجماليّة أو القناع الإستعاريّ) المُدرّ للبن الشّعر؟ أي النّهد المُحال إلى قبس منه في الومضتين المواليتين : 

-1-
حفنة السّحر التّي 
عجنتُ بها...
نهدًا للعالم :
ضادي.

-2-
نهدي علويّ
كلّي..
مُترعرع الحبّ
ينبجس من صرحه
حليبُ كُتبٍ...
ودمعةُ لوتس.

أمّا نهد وفاء بوعتّور فلا  شأن أوشغل إلّا للربّ بخميرته، وأمّا نهد السّيّدة واو النّافر من لوحات أغلفة دواويني فهو  في علاقة وظيفيّة إيحائيّة تلازميّة وجدليّة عميقة بالنّهد البيانيّ أي المادّة الشّعريّة المشتغل عليها وهما يحملان ما يحملان من فتنة خلف السّتار، يحملان راية إغواء متنسّك صارم الفنّ والجمال والقصديّة والعِبْرة ، أوَ لستُ المُغرّدة : 

يطُوفُ نهدي
بين موائِد القُرّاء
رَصينًا...
كثِيفًا...
مُصفّى...
كسَيْلٍ وثيقٍ
من حليبِ الشِّعر
أو أسْمى.

نعم يا سادتي، إنّه الإغواء الحلال  وفتنة الفانتازيا الشّعريّة الحارّة ، فتنة النّهد الفائض عن حدود النّصّ، النّهد كمتخيّل شعريّ وواقعة بلاغيّة تتجاوز المادّيّة والواقعيّة والحسّيّة المباشرة إلى الرّمزيّة والأسطوريّة والتّألّه المتاخم للغواية والشهوة والحلم والخلود وركوب المدى، لكن وللأسف المديد فإنّ الإيحاء الشّائع المهيمن على وجدان القارئ العربيّ - عموما وغالبا -  عن النّهد هو حبيس عضويّة الجسد والغريزيّات إن لم أقل البهيميّات، وتمثّله لهذه الكلمة فيزيقي جسداني حافّ فيه شُبهة بذاءة ويابس يُبس وجفاوة عقليّته وخياله وأيره. عجبي ! هل ثمّة براءة أكبر من تعميد" النّهد " في بحور المجاز ؟ ألا إنّها ظلاميّة التّلقّي ومعضلة القصور والعجز عن التّجريد. لذلك تشكّل نصوصي الشّعريّة مأزقا حقيقيّا للقارئ التّقليديّ الذّي تربّى على تخليطات الخمول والمهادنة والتقنّع والقراءة الجلديّة النّهّاشة للنّصوص، وقالبيّة الفهم الجاهزيّ المتعنّت الجَهْم، وهو نفس القارئ الذّي إذا خلا إلى النّهد في نشرته السرّيّة  فلا ردّ أو علم إلّا للشّيطان لما يهذي به أو يستلذّه . لأجل ذلك قلت :

أضَعُ نَهْدِي فِي طَرِيقِهِم
عَن قَصْدٍ
لِأَقْتُلَ الكَائِنَات الشَّهَوِيّة
العَالِقَة
فِي فُؤُوسِهِم
وَأَمْعَاء رُؤُوسِهِم
الفاجرة.

ذواتٌ عربيّة ذكوريّة متخلّفة تمارس سلطة رقابيّة وراثيّة على المرأة والفنّ لا باع لها في الحلم والحبّ والوطن والحياة.

 

• "الشّطحة الثّانية" هكذا وصفت غلاف ديوانك المثير للجدل بالجزء الثّاني...نطالع فلسفة وعمقا داخل تعبيراتك، فهل أنّ فلسفة الشِّعر قد تنتج لنا شطحات أم مصادمة مع المُعترضين ؟ 


فلسفة الشّعر تنعطف بي بإلحاح وعرامة وحرارة وأصابع ثابتة راسخة مبسوطة نحو الحّب والرّفاقة والصّوفيّة والرّحمة والتّحرّر من الاعتبارات السّياسّيّة والدّينيّة والذّكوريّة، وتحقيق المعاني الإنسانيّة الكُبرى "، وتلمّس وجه الجمال والبحث الفكريّ الدّائب المُحرق عن الحقيقة والسّعي الصّاعد – الهاجس نحو الإنسان أو هو ما أشار إليه شيخي الجليل إدوار الخرّاط في تصريح فنّي له بكتاب " شخصيّات ومواقف" منظّرا : " أو إذا شئت، فهو ما يُسمّى بالنّزوع المابين الانساني . ما بين الإنساني والإنسان . أي أنّه يتجاوز الذّاتيّة المُغلقة ، ولكنّه أيضا نزوع حميم ، مرتبط بداخل الإنسان ، كما أنّه يرتبط بخارجه ". هذه الفلسفة الشّعريّة المسكوبة صرفا في معالم نهد أسطوريّ (نهد السّيّدة واو) مثلما أشرقت عن ثورة أسلوبيّة وشطحات فقد أضرمت حرائق وأنجبت غضبة ضارية وليس ذلك بعُجاب فكما صدح نزار قبّاني في حوار استثنائيّ مع نفسه " من الطّبيعيّ أن تكون هناك مقاومة كبيرة لشعري، لأنّنا موجودون في منطقة لها قوانينها واحتفالاتها، وحين نحاول أن نغيّر شيئا من المفهوم العام، أو أن نخرج على النّظام، فرأسا نواجه أهل الكهف"، فليتلقّف عنّي هؤلاء الغاضبون المستسلمون لغيبوبة الجهل خطاب جبران خليل جبران في مقال له بعنوان " أبناء الآلهة وأحفاد القرود "حيث سلخ : ماهي إرادتكم يا أبناء القرود؟...هل سرتم خطوة واحدة إلى الأمام منذ انبثقتم من شقوق الأرض؟ منذ سبعين ألف سنة مررت بكم فرأيتكم تتقلّبون كالحشرات في زوايا الكهوف. ومنذ بضع دقائق نظرتُ من وراء بلّور نافذتي فوجدتكم تسيرون في الأزقّة القذرة وأبالسة الخمول تقودكم وقيود العبوديّة تتمسّك بأقدامكم وأجنحة الموت تصفّق فوق رؤوسكم، فأنتم اليوم كما كنتم بالأمس، وستظلّون غدا وبعده مثلما رأيتكم في البدء".

 

كيف تشكّلت مناعتك في الرّدّ على النّقاد والمهاجمين؟
لا أستطيع  - كما يُخيّل لي – أن أضع يدي بإشباع وتوكيد ودقّة على كلّ الذّخائر التّي شكّلت مناعتي في الردّ على المهاجمين والمتناقدين (لا النّقّاد) كما أنّني أخشى أن أبوح بعامل وأغفل آخرا يستحقّ الذِّكر  لأجل ذلك سأقتصر على الأعرض منها كتأثير النّفوذ الأخلاقي التّربويّ والسّخاء العاطفي الخياليّ الذّي أترعني به أبي الرّاحل فتحي بن عبودة بوعتّور منذ مستهلّ طفولتي وتسلّحي اللّاعج بالمعرفة في شؤون الثّقافة والأدب بصورة خاصّة، إذ كان تفتّحي الأوّل مع شغف الكتب، كتبٌ هي مسقطُ روح أو كما كان يناجي ميخائيل رامته في الخالدة الإنسانيّة "رامة والتّنّين" مثل الحبّ " متاعٌ خفيفٌ وجوهريّ في الحياة "، كتب وإن ألوت غصن عمري فقد عمّرت سدودي في وجه كلّ طوفان وسكبتني في قلب الصّبر والصّلابة والتطلّع والعراقة والرّوحانيّة والانطلاق والجمال،فنشأ لي من المطالعات في قلبي كالتّوق إلى الله . وكرهت موتي وفق الأساليب الممجوجة في الحياة وأحببت جدّا أن أُعمّر في ضريح الورق بتجلٍّ شاهق . فامتطيت صهوة قلمي عازمة أن أنذر ما أمكن منّي للأدب وأكتب حتّى أدرك النّور أو يدركني. هذا إلى جانب صرامة مساري الفنّي المسطّر بدماء وعي حادّ ورجاحة تعاملي مع فتيل وسعير المحنة والشّدائد التي أحاطت بإصدار الدّيوان وقدرتي على امتصاص واستيعاب الاختلافات وخفايا المواقف بل وهضمها حدّ التّناغم والانسجام معها، أضف لذلك حذري الشّديد – حدّ الشّحّ المغالي المقصود والتّحاشي المُترفِّع المحسوب - في التّعامل مع الإعلام المرئي- السّمعي خاصّة في أوج الهجمة التّي عبرتُ إغوءاتها وشوائبها ومزالقها وسيوفها المشوّشة برصانة وافية وعلوّ الفارسة المنتصرة متحاشية قدر اللّازم بلبلة الأضواء وهوس البريق و" الشّو"، بل لا أبالغ إذ قلت أنّني رفضت رفضا مستميتا الأوساط والمنابر والمقابلات الإعلاميّة المحلّيّة التّونسيّة ( لأسباب يستهلك منّي شرحها ) أمّا على الصّعيد العربيّ والعالميّ فقلّلتُ وناورتُ وتهرّبتُ من إجراء العديد والعديد من اللّقاءات والمشاركات الإذاعيّة والتّلفزيونيّة مكتفية بثلاث إطلالات مع بي بي سي البريطانيّة ودويتشه فيلّه الألمانيّة والقاهرة 24 ثمّ ألحقت قناة جدل 60 المغربيّة بُعيد أشهر من الهجوم المُشنّ على دواويني،ربّما من أوكد أسباب هذه الحيطة المبالغة نزوعي المزمن للعزلة وخوفي من ماكينات الإعلام الهابط والاستفزاز والتّوتّر وخيانة أو تشويه الكاتبة للمحتوى كأن أسقط في مصائد تمييع وتتفيه وإنهاك الحوار أو زلّة التّفاسير والشّروح التّي قد تنزع عن العمل الفنّي طاقاته الكامنة وانفتاح معانيه لذلك أميل أكثر للّصحافة المكتوبة وتجدني في جلّ مداخلاتي الصحفيّة آخذة في أولويّة مُطلقة هيبة القلم والمقام وأجيب بدقّة وتكثيف وبلاغة ورشاقة وإشعاع من تحترم فنّها وسجلّها وتنحني لقرّائها. وعلى قدر اقتصادي وحسمي في العبارة واتّجاهها أتنزّه وأحفر في الغور الدّلالي، أجل أنا من عُشّاق الحفريّات القاطعة في اللّغة لإيماني بأنّ الكاتب العدّاء هو الذّي يقطع أوجز ماراطون لفظي ليصيب عيون المعنى وهذا لعمري أفتك أسلحة البيان والتّحصّن من سهام العدوان وهو ما أوحيت به في النّهديّة الجارية : 

صلوات نهدي
اللّاهبة عليكم
أيّها المسافرون
في قماش اللّغة :
أطلقوا المعنى...
وحُفّوا القميص !

 وفي الضفّة المقابلة فإنّ أيّ نوع من بذخ التّزيين السّفسطائي وزوائد التّوشية القاموسيّة المجانيّة الخاوية والانسياق وراء لذّة حشويّة النّصّ بالقشّ والحجج الواهية وحصى الأحقاد النّابحة والانفعاليّات البلهاء المفضوحة والإغراق العاطفي الحادّ (سلبا أو إيجابا ) يقصم ظهر الخطاب ويرهّله بل ويحقّره حدّ الضِّعة، وهذا ما سقط فيه خصومي من حمقى الثّقفوت و"المتأفكرين" و المتناقدين . يتداخل مع كلّ هذه العوامل السّالف ذكرها وفرة وتنوّع ووعورة التّجارب والمحكّات الحياتيّة التّي عركتني وصقلتني . 

 

هناك من ينظر لديوانك الشِعريّ ما بين دافئ وحار ومعتدل وغامض...كيف ينظر النّقّاد لروايتك وأعمالك الشِعريّة؟
روائيّا  لم يعالجني النّقد  إلى هاته اللّحظة ولا هو حاور نصوصي النّثريّة المُحبّرة بالحبّ والجمال والإنسان في حين توكّلت بي المحاكم الأخلاقيّة وانصبّت عليّ الملاحقات المُسفِرة عن وجوه الجهل والتخلّف والعُقّد التّاريخيّة والعاهات النّفسيّة والأمراض الجندريّة العُضال ،وأُسبِغَ عليّ من النّعوت الجارحة ما تخرّ له الجِمال والجبال وعوقبتْ كتبي بالمنع في المعارض والحجب من المكتبات فيما أُهملت مغامرتي البلاغيّة و شعريّة كتابتي وجماليّاتها المختلفة التّي تحفر في غور الذّات البشريّة بحرّية وجرأة غير مسبوقة على ما رأوا فيها خرقا لنواميس الأدب والأخلاقيّات العامّة وأنا المستشرِفة قبل نشر الدّيوان الأوّل :

ينامُ نهدي
على وسائدكم
مثْل فيضانٍ من الشِّعر...
المنعوتُ بالاصْبع.

وفي قراءة تحليليّة باطنيّة أوسع لهذا الانجراف المحموم وراء قذفي والإجحاف في حقّ كُتبي أميل إلى الاعتقاد في كمون  هلع مجتمعيّ ذكوريّ بغيض من تذوّق امرأة متفوّقة إبداعيّا ما أسمته سيّدتي نوال السّعداوي ب " سعادة العمل الفكري " ولذّته المحرّمة.  وأنا الشّادية :

تُطارِدُني سِهامُ الشُّعَراء
فقط...
لأنّ نهدي...
يلْعبُ بتفَوُّقٍ...
كُرَةَ اللُّغة

ومن هذا المنبر الوثير أحذّر القارئ العربي من خطر الانسياق وراء الذّهنيّة الميكانيكيّة الجاهزة والانفعالات الحماسيّة الخرقاء والمواقف الإيديولوجيّة والجندريّة التّقريريّة التّسطيحيّة المتحاملة والسّذاجة التّأويليّة وفخاخ القوانين والمعياريّات الأخلاقويّة البالية في تلقّي وتحليل وتقييم النّصّ الأدبي خاصّة والمادّة الفنّيّة على وجه أعمّ كما وأستشرف أنّه ذات أنوار واعدة موعودة ستواكبني المدوّنات النّقديّة الحديثة وتحظى منجزاتي الأدبيّة باستبصار عميق وعلاج شفيف مُنصف من قبل مختصّين وباحثين حقيقيّين يتناولون خصائص عالمي الإبداعي ومنهجيّتي في الكتابة والتّفكير بصدق فنّي ، فقلمي – فيما أتصوّر أن يُستشفَّ – هو من الطّليعة الشعريّة والرّوائيّة في المناخ الثّقافي الرّاهن، حرف يخفق باروده في قلب الحجّر ولا يخضع إلّا لشروط مغامرة حرّة من كلّ القيود بما في ذلك قيد النّصّ، لذلك أقول بلسان نيتشويّ يوحى لأهل الذّكر ممّن لازالوا يتهيّبون الاقتراب من نصّي" ألا لقد تعبت من حكمتي حتّى السّىآمة . فأنا كالنّخلة المثقلة بكثير ممّا جنته من العسل، وأنا بحاجة إلى أيْدٍ ممدودة لتأخذه منّي ". 

 

سقوط الإمام..خصّصت الرّاحلة د. نوال السّعداوي رواية تعبّر عن معاناة المرأة داخل المجتمعات العربيّة مع فكرة الإمام أو أي متسلّط ذكوريّ...كيف تسقطين الإمام بذلك النّهد ؟
شقّت سيّدتي نوال السّعداوي دروبها النّضاليّة الثّائرة على السّلطة الذّكوريّة والعصبيّة الدّينيّة المقيتة لتنتهي بإسقاط رمزيّ للإمام تاركة لي في وصيّة إنسانيّة مُلِحّة بعضا من خيوط وتتمّة لعبتها الجليلة حيث أوليتُ هذا المبحث جدّيّة اهتمامي واشتغالي الأدبي نثريّا وروائيّا، أترك لكم شواهد أعمالي هي التّي تومئ وتشير وتفصح عن ذلك مكتفية في هذا المقام بكشْف فنّي احترافي - خاصّ لا يخلو من مهارة تطريز وحسٍّ شِعريّ - نقديّ ساخر أهتك فيه المحظور من خلال ومضة مليئة - لا زالت بعد قيْد ديواني الشّعري القادم - أنفث فيها :

هَأَنَذِي أعْلُوهُ
وأعتليه
ونَمُوجُ...
ونُوَحْوِحُ...
ونُشِعُّ...
ونُكبّر...
ويعْسِلُ رُمحُهُ
اللَّبيبُ الفَاتِحُ
تَعْسِيلاً عظيمًا
بين مآذن نهديّ
حتّى...
يسقُط الإمام !
ونُرْفَع .
(مُهْدَاة إلى روح سيّدتي نوال السّعداوي)


بتصريحات إعلاميّة سابقة قلت أنّ الجنس تنفيس على المجتمعات...عندما يتغزّل الشّاعر فالمرأة موضوعه، فلماذا تتغزّلين بجسدك (هكذا يتردد وسيتردد السؤال حتى ولو كان الجسد عندك رمزي وأسطوري وإبداعي) ؟ 


في مستوى أوّل من الطّرح، ولغاية في جيب يعقوب سأجاري فرضيّة أنّني فعلا أتغزّل بجسدي وتحديدا بنهدي الفيزيولوجي لأستنكر مستفهمة : هل يتوجّب على المرأة بزعم زاعم أن تكتب فيما تقرّره لها سطوة الدّيكة والقطيع الشّرقي الذّكوريّ المعلول وتُمنع من كتابة ما قُرِّر لها أنّه غير جائز  بفعل تصنيف وتفرقة عنصريّة أخلاقويّة غبيّة وسلطان مجتمعيّ موروثيّ جندريّ سالب أجهل من قعر حذائي؟ ثمّ لماذا يُنكِر النّظام الاجتماعيّ الطّبقي المعطوب على المبدعة أن تحتفي بجسدها إبداعيّا ويضعها في كرسيّ " الجريمة والعقاب " ويسخط وينخط وينزّل بها نكاية أشنع العقوبات وأكرهَ الأوصاف " عاهرة العاهرات" ؟ صدق نزار حين توهّج وقال " نحن مجتمع خائف من جسد المرأة...! لذلك نتآمر عليه. ونحاكمه. وندينه . ونحكم عليه غيابيّا بالاعدام..! " لماذا غالبا ما تنسحب وتنعكس نون النّسوة كسكّين مسموم أو وصمة نّقْصٍ أزليّ على الوزن النّقدي لفاكهة الكتاب وكأنّما هي القرين القدريّ الحتميّ للعورات والعار والشّرور وحبائل إبليس والممنوعات؟ أليس في ذلك تمييز وتنميط وحكم جنسويّ خبيث أوضح من الرّصاص وخطير التّكبيل و الضّرر والعَوْقِ والاستلاب على روح الآداب وتطلّعات القارئ والكُتّاب؟ ألن يؤدّي ذلك بالضّرورة المخزية إلى تفشّي الضّغائن وإعاقة حراك التّقدّم الثّقافي ومستقبل الخريطة الحضاريّة للشّعوب والأوطان؟ لماذا تُستراب وتُزدرى الشّاعرة التّي تجاهر بالتغنّي "بنهدها مثلا " حدّ إقصائها والطّعن في جبرّوت قلمها حتّى و إن كانت أهلا للعظمة بأصالة أدبيّة متمكّنة واستحقاق فنّي موضوعيّ دامغ ؟ 
ولكن ماذا عساي أقول : 

كان لا بُدَّ أنْ
ينْقُصَ نهدي
ويشْهَدَ فظاعةَ
قارئ مخصيّ حاقِد
كيْ يزداد...
 وزنُ الشِّعر.

أليست أيّ تيمة أو غرض شعريّ مُنجزٍ بما فيها " الغزليّات "فِعلا إبداعيّا نبيلا وحالةً وجدٍ إنسانيّة بصرف النّظر عن جنس الكاتب؟ أم يحلّ لأبي حكيمة من " أيريّات "ما يُستنكر ويُعاب ويُحرّم على ربّة " النّهديّات " ؟ ماذا أنتم متقوّلون لو أتحفكم بنثريّات يتعشّق فيها " أنايَ الذّكريُّ " أجسادَ خليلاتي الافتراضيّات؟ لا تقولوا أنّكم ستطالبون برأس أيري اللغويّ حيّا أو ميّتا ؟ أشكّ أن يُنصت لكم قاضي المجاز والتّخييلات، أمّا أنا فسيردّد عنّي حليب النّور " الحمد لربّ النّهود الذّي سخّر لي عضوا لغويّا فحلا أنكح به سوءة العقول الدّاعرة " فكفّوا عن هذا التّعامي والتّحامل والاستنقاص والاسهاب في البغاء الفكري؟ وعلى قول ياسمينتي الدّمشقيّة غادة السّمان في كتابها " القبيلة تستجوب القتيلة " لم أعاني من كوني أنثى ...! لقد عانيت من أمّة تعاني...! ولكنّني تألّمت كثيرا لنساء عانين لمجرّد كونهنّ نساء في مجتمع يعتبر تاء التّأنيث نوعا من الرّقّ..!!! " وألمعت أيضا قائلة :" الصّدفة البيولوجيّة جعلتني أنثى..!! هل أُحاكم لذلك ؟ ويتمّ استجوابي ؟ " ثمّ لماذا لا تتجرّأ مبدعات ما على التغزّل الذّاتيّ بأعضائهنّ بإعزاز  واعتزاز وتحبير للحقيقة كما هي عارية وبفطرة حارّة ورؤية حرّة تجاه أنوثتهنّ؟ هل سيخلّ ذلك بمنظومة القيم الأخلاقيّة الجماليّة أو يهتك ستار الفنّ؟ لماذا يخشىن ما يخشين ويرضين لأنفسهنّ أن يبقين كسيرات مهزومات رهينات وضحيّات لنظام أبويّ قمعيّ قهريّ نخره سوس الزّمن والسّواد والرّجعيّات؟ لماذا يستمرئن جبنهنّ وضعفهنّ ومظلمتهنّ التّاريخيّة المقيتة ويكتفين بالرّجل "قوّاما شِعريّا احتكاريّا " عليهنّ وإلها ناطقا عن لحمهنّ وثمارهنّ ومائهنّ؟  فلتعترف "زرّيعة حوّاء" أنّ  العقل النّسائيّ الجمعي في مأزق شائن، ولتعترف أيضا أنّ سرطان "الجنسويّة" قد استفحل في لاوعيهنّ وتداولهنّ الآلي أضعافا مضاعفة منه عند الذّكور، أمّا أنا فيأبى عليّ جموح ذاتي الانسانة والشّاعرة أن يُؤبَّد جسدي تحت هيمنة وتضييق ووصايا وأغلال الاحتلال والعبوديّة الذّكورية الرّثّة ولا ترضيني بضع كُوى أو أضغاث حرّيّات وأنا على دين قدّيستي السّعداوي: " لن يحرّر النّساء إلّا النّساء أنفسهنّ "، ولا أمل في التصدّي لغول الباطرياركيّة بواقعنا العربيّ المهترئ ما لم تناضل المرأة بوعي مستميت وجدارة وشجاعة وجهد جهيد صادق لتستعيد لسانها السّليب وعيا وفكرا وجسدا ولغة خارج جبّة الذّكر وأسمال الموروثات وتقافيص السُّلط والمحظورات، وحين أقول لغة فبمفهومها العريض المُتخم بمُجمل أطياف الفنون والهموم الجماليّة قاطبة، إنّما اللّغة يا معشر المستضعفين سلطةٌ وتسيّدٌ ونافذة على الحرّيّة والاحتجاج بسيفها تقطع المرأة جحيم ظلامها الدّاخليّ والخارجيّ وتستدرك نبرة طينها الحرّ خارج العقل القضيبيّ البائس لتُعيد صوْغِ قيمها التّحرريّة الجماليّة البديلة وتصنع رؤيتها وتطرّقها الخاصّ للعالم. 
شاعرة تُحجِّر على حرفها التّوله بمنحوتاتها الشبقيّة خوفا وتطبيعا مع العُرف الذّكوريّ هي أشبه بملكة شّطرنج  تختال في أبعاد رُقعة مُستعمرَة. لأجل ذاك :

-1-
نفضتُ نهدي
من نُثار الأفْمَام
والسّهام...
وأرَقِ البياضِ
ثمّ كتبته...
ركعة ركعة.

ولأجل ذلك أيضا هجست :
-2-
سَأجْمَعُ نَهدِي
بِكَامِلِ مَجْدِهِ
فِي آنِيَةِ اللُّغَة
لِتَشُمُّوا الَماءَ
وَذَكَاءَ الشِّوَاء
ومُكْر حوّاء.

فحسبكم أن تنسوا :
نهدي كما لغتي كائن متوحّش يركب الإيقاع طلبا للأنس ويحنّ إلى ماضيه عندما كان مجرّد صرخة.  (مقتبس عن جوليا كريستيفا بتصرّف)  :

-3-
تلْكَ المئْذنةُ
التّي طعنَتْ سماء اللُّغة
بشوْكةِ صَوْتِها
المِخمليّ الحُرّ:
نهدي الشّاعر.

في مستوى ثان أوجز وأدهى سخرية من الطّرح السّابق سأكتفي بالومضة الآتية تترافع عنّي في دعوى التّغزّل بنهدي الحسّي :


في العزلة...
أكوّرُ فِكرة على شكل نهد
وأستوحي منه...
 أشعاري !

بين نهد واقعيّ مادّي ونهد نابه مستوحى من هنا وهناك طاقة وطاقيّات إخفاء وتماس وتبقى الحقيقة دائما، كما يقول  الشّاعر البريطانيّ جورج بايرون ، أغرب من الخيال . و" لا أفقر ممّن يفتقر إلى الخيال " على تعبيرة مستغانمي.

يتمتّع صندوق إهداءاتك الشِّعريّة بالكرم والعطاء...هل هي لمن يقدّم رسمة تعبيريّة عن كتاباتك أم هي للمقرّبين الدّاعمين لأفكارك ونهجك؟
تتنوّع وتتوزّع إهداءاتي الأدبيّة عامّة ما بين شعراء وقصّاصين وروائيّين ومسرحيّين وأكادميّين ونقّاد وتشكيليّين وخطّاطين ونحّاتين وإعلاميّين وقرّاء شغوفين من أجيال وطوائف وجنسيّات مزركشة وقد تكون تحت سقف الصّداقات أو ضربا من مشاركة حسّ فنّي نبيل ونوازع إنسانيّة واسعة .

 

نعتاد المبدع في تعدّد المواهب...أين نجدك في الأشياء الأخرى والمجالات المختلفة؟ 
حياتي عموما حافلة بالفنّ وإرساء القيم الجماليّة الباهرة وصراع النّوازع الحميمة والمتناقضات المتحاورة – المنفصمة، المتعانقة - المقتتلة في دوّامة فلكيّة سارحة لا يخطّها قانون أو أصفاد إذ تقلّبتُ بين سكرات الرّسم بالبنّ  ومغازلة المسرح وتأطير ورشات تلمذيّة تنشيطية لتزويق القوارير  بالمعهد الذي أدرّس به ( كلّها نتاج هواية ومحاولات شغوفة لا تفرّغ واحتراف ) حيث أظنّني أقوم في رحلتي الوجوديّة (التّي لا أعلم ما ينتظرني على جنباتها) بشيء حيويّ حميميّ له مغزاه من النّاحتين الشّخصيّة والعامّة، كما أنني مشدودة اللبّ لكلّ أطباق الفنون وأحلم بزيارة ومعايشة محاريب رسّامين وخطّاطين ونحّاتين وخزّافين وموسيقيّين من دول شتّى ومحاورتهم جماليّا بعين سحابة شاعرة وتوثيق التّجربة في كتاب...وفي خضمّ كلّ هذا وذاك كنت وسأظلّ جانحة نحو المثاليّة والكمال وعاشقة للغتي (وطني ومشفاي) حتّى يُلملِمَني الثّرى وعلى مِلّة سيّدتي نوال " الوطن حيث يكون الحبّ وتكون الحرّيّة " ، وأنا الصّادحة :

لا وطن لي
سوى قلمي...
وحديقة نهدي.

و سأظلّ صادقة مع الجمال شوقي لأبي وأدبي وربّي  وسأظلّ أزرع نهدي اللّغوي حلوى أو قطنا أو قَطرْا أو طيرا أو مبغى أو ذِكرًا أو لغما شقيّا كي أصنع لكم عيدا من دمه :

كنتُ أطعِمُ القُرّاء
حلوى نهدي
حتى كبُرَ القَصيد
وصارَ للشُّعراء عيد
سَمَّيْتُهُ...
" نهديّات السّيّدة واو "

فمحبّتي لمن أخلص للنّصّ والقيمة والمثال، نهدي كان فكرة أشقتني وهو أسمى ما كتبت وعلى قدر أهل الفهم تشرق حكمتي. 
يطيب لي ختاما أن أشمّع مداخلتي الصحفيّة هذه بقصيدة من مجوعتي الشّعريّة الثّانية أنثرها على ضريح شاعريّ التّونسيّ القدير الرّاحل " نور الدّين بوجلبان  "  :

وحشرتُهُ فيّ
حشْرَ المُريد المُنْتَهِي
وحلّقنا فوق ريش الانطلاقات
والبدائيّات...
والعربدات...
وطّهرانيّة الشّبقيّات..
والتّفجّرات...
والانصهارات...
وشعائر القلوب الظّمآى...
وأشعار مولانا...
والتّبريزيّ...
و"الشّيخ الأكبر"
والسّنائيّ...
والرّازي...
والشّيرازيّ...
والاصفهانيّ...
والكرمانيّ...
والسّفرجلانيّ...
والهُيَامات...
والهُلاميّات....
والسّماويّات...
وموسيقى باخ...
وهايدن...
وموتسارت...
والاخوة الرّحبانيّ...
وجيوفاني مارادي...
وسيّد درويش...
والتّسابيح...
وأذكار  الماء...
والطّين...
والأزل...
و" النّهديّات"

- كلّ حرف وأنتم نهد الفرح -

_________________________

* حاورهاحاتم عبد الحكيم 

أخبار متعلقة :