بوابة صوت بلادى بأمريكا

سعيد السني يكتب: أبو العُرِيف وعبد الناصر

اعتراف الدكتور أحمد عماد وزير الصحة، أمام لجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب (الإثنين الماضي)، بتهاوي وانهيار الخدمات الطبية والعلاجية، كان جيداً محموداً، لو أنه قدمَ توصيفاً صحيحاً، مدروساً للواقع الصحي والدوائي، مصحوباً بحلول.. لكنه قال: «إن منظومة الصحة متهاوية بسبب ما قاله جمال عبدالناصر بأن التعليم كالماء والهواء، والصحة مجانية لكل فرد.. فراح التعليم وراحت الصحة».. الوزير هنا يفضح جهلُه وفشلِه معاً.. فهذا الكلام غريب وعجيب، يُقال على المصطبة أمام أحد بيوتات أهلنا بالريف، حين يتحلق نفرٌ منهم، ساعة العصاري حول «أبوالعُريف»، الذي ليس شخصاً بعينه، بل «نموذج» متكرر لواحد من العامة، يجيد الكلام والإفتاء في أي موضوع أوتخصص، شرحاً وتفسيراً وسرداً لمن حوله، دون علم أو معرفة.. فصاحبنا «أبوالعُريف»، يظن نفسه فلتة زمانه وأوانه، مستخفاً بمن حوله، مُدركاً جهلهم مثله، متحدثاً بثقة العارفين والعالمين ببواطن الأمور، ومتأكداً بأنهم في حالة تصديق وانبهار بما يردده من تفاهات ومعلومات مغلوطة لا أساس لها.

هكذا بدا وزيرنا الهُمام، في حديثه أمام لجنة الصحة، فلم يحترم «البرلمان» ومقامه الدستوري العالي، ولا عقول السادة النواب الممثلين لـ«شعب»، منكوب بأمثاله، ولا بـ«الرأي العام» الموجوع من سيادته، بآلام لا تطاق غياباً للخدمة الطبية بمستشفيات وزارته، وناراً تُلهب أسعار الأدوية، إن وجدت.. بدلاً من مراعاة هذا كله، وتناوله بالشرح والتحليل عن بحث ودراسة، وصولاً لخطط وحلول.. فإن «عماد الدين» سار في غيه، مُحاكياً «أبوالعُرِيف»، مُستخفاً بالبرلمان ونوابه والشعب من قبلهم، ظناً منه بأن الجميع جُهَّال مثله.. قافزاً إلى توصيف كاشفا عن الجهل الشائن لمن يكون في منصبه، والفاضح، مثل أن رافع شعار «التعليم كالماء والهواء»، منادياً بمجانية التعليم، هو الدكتور طه حسين وزير المعارف العمومية بحكومة الوفد قبل ثورة يوليو 1952م، مباشرة، وليس الرئيس الراحل «جمال عبدالناصر»، وإن كان الأخير قد قام بتفعيل الشعار وتنفيذه وتعميمه، بما أنتج «عمالقة» في العلم بفروعه، والفن والثقافة وكافة المجالات، شَكَّلوا ومَثلوا في مجموعهم إلى جانب إمكانات أخرى، «قوة مصر الناعمة» حتى سنوات قريبة مضت.

 

نترك التعليم إلى جهل الوزير بتاريخ وجغرافية الخدمات الصحية في عهد عبدالناصر.. تكفي سيرة الدكتور محمد النبوي المهندس أشهر وزراء الصحة المصريين، التي جمعها ووثقها، ورواها الكاتب عمر طاهر، في كتابه «صنايعية مصر» الصادر في العام الماضي عن دار الكرمة للنشر، وفي مقال بالأهرام (عدد 29/12/2016:http://www.ahram.org.eg/NewsQ/540054.aspx )، لخصها بأن نقابة الأطباء، كانت قد نظمت إضراباً، احتجاجاً على تردي الخدمات الصحية.. لم يأمر عبدالناصر باقتحام النقابة، ولا اعتقال الأطباء المُضربين، بل استدعي الدكتور النبوي المهندس أستاذ طب الأطفال بكلية طب القصر العيني، وسكرتير عام النقابة، واستمع إليه، وانتهى إلى تعيينه وزيراً للصحة (أكتوبر 1961 حتى وفاته أكتوبر 1968م).. راح «الدكتور المهندس» يعمل في صمت، مُلقباً بـ«أبوالهول».. نجح في تأسيس منظومة صحية قوية، شاملة التأمين الصحي، وتحويل سيارة الإسعاف إلى وحدة طبية متنقلة، وإنشاء هيئة مستقلة للإسعاف، مع الاهتمام بالطب الوقائي، وجلب التطعميات العديدة، تقليصاً للإصابات بـ«شلل الأطفال»، وغيرها، وأقام المراكز الطبية المتخصصة، ونَشرَّ الوحدات الصحية الريفية ومئات المستشفيات، والعيادات الخارجية، على امتداد خريطة البلاد، لتقديم خدماتها بالمجان تطبيباً وعلاجاً ودواءً.. ظلت هذه المنظومة صامدة رغم الضربات المتتالية التي تلقتها، منذ عهد السادات، وعلى أيادي وزراء للصحة، من رجال وخدم «البيزنس الطبي». عودة للوزير عماد الدين.. فله العذر في استخفافه بلجنة الصحة، التي لم تحرك ساكناً، حين تجاهل توصياتها سابقاً، في مشكلة تسعير الدواء، نتيجة انسجام البرلمان مع الحكومة.. فلا لوم على الوزير إذن.. لكن «الحق» في الصحة، وقاية وتطبيباً وعلاجاً، وسكناً صحياً ملائماً، ومياهاً نظيفة، وغذاءً سليماً، هو من الحقوق الأساسية للإنسان المنصوص عليها في «العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية»، المُصدق عليه مصرياً، وضمن قوانيننا، منذ إبريل عام1982م، مثلما أن هذا الحق منصوص عليه بدستور 2014م.

بقي أن الوزير حين يزعم أنه لا يوجد دولة في العالم تعالج مرضاها.. فإن كلامه، هو الكذب سواء، وأن عبدالناصر ترك الدنيا منذ 47 عاماً كاملة.. فماذا فعلتم انتم.. لا تعلقوا فشلكم وجهلكم عليه.

نسأل الله السلامة لمصر.

 

أخبار متعلقة :