بوابة صوت بلادى بأمريكا

مدحت سيف يكتب: دروس حياتية من التنمية البشرية (72- بنت سواق الميكروباص)

قرأت هذه القصة على الفيس بوك، وهى بقلم الكاتب أ. بسام أنور، ولتأثرى بها، سأنقلها لكم بالعامية كما هي لتعم الاستفادة...

في كلية الطب جامعة الإسكندرية تدخل الدكتورة المدرج رقم 7،
الدكتورة: كل عام وأنتم بخير وصحة وسلامة... النهارده أول يوم دراسي في الترم الثاني ومن حسن حظي إني هكونمعاكم ..قبل ما أعرفكم بنفسي أو أقول أي حاجه… أحب أقولكم ... لو حد ظروفه صعبة مش هيقدر يشتري الكتاب بتاعي، يكتبلي ورقة بعد المحاضرة ويبعتهالي مكتبي وأنا هأعفيه من شراءه..
فرد أحد الطلاب قائلاً: إزاي يا دكتورة؟؟ ده كل الدكاترة اللي قبل حضرتك قالولنا اللي مش هيشتري الكتب هيسقط في أعمال السنة!!
الدكتورة بإبتسامة: أنا مليش دعوة بحد أنا باتكلم عن كتابي أنا.
رد طالب آخر ضاحكاً: كده يا دكتورة كل الطلبههاتبقي ظروفها صعبة ومافيش حد هايشتري الكتاب خالص...
ضحكت الدكتورة قائلة: مفيش مشكلة أنا مسامحة. وهاحكيلكم قصة حلوة بما إنها أول محاضرة ليا معاكم وأنا مش باحب أشرح فيها باحب أتعرف فيها على الطلبة اللي عندي. ثم بدأت تقص عليهم:
من 20 سنة قبل انتم ما تتولدوا وتشرفوا فى الدنيا، كان فيه سواق ميكروباص إسمه جميل كمال كامل. عنده بنت في أولي طب في سنكم بالظبط. عم جميل سواق الميكروباص قال لبنته: ياللا عشان أوصلك.
مني: ياللا يا أحلى أب في الدنيا.
عم جميل: تحبي آجيآخدكالساعه كام يا بنتي؟؟
مني: لسه مش عارفه عندي محاضرات إيه وهاطلعامتي.هبقي اطلع من الكلية وآجيلك في الموقف.
عم جميل: خلاص يا مني هاستناكي إن شاء الله.
ذهب عم جميل بسيارته القديمة موقف اسكندرية دمنهور ليأخذ دوره. وكان الجو وحش وشكلها هتمطر كتير. وتمر الساعات وتخرج مني من الكلية وتذهب الموقف إلي والدها الذي يأخذها في الميكروباص مع الركاب ليوصلها لبيتهم الصغير جداً في دمنهور.
وفي الطريق تقول مني لوالدها.. إنها بكرة تحتاج ٣٥٠ جنيه لكي تشتري بعض الكتب ولشراء جهاز قياس الضغط وبالطو أبيض … فيرد عم جميل قائلاً: لازم بكرة بكرة يا بنتي؟
مني: ايوة يا بابا الدكاترة اللي طلبوا مننا كده.
عم جميل: وهو لا يعرف كيف يدبر المبلغ: ربنا يسهل الحال يا بنتي …خلاص روحي البيت اتغدى انتي وذاكري وأنا هاسهر شوية في الشغل
مني بخوف: بلاش النهارده يا بابا الجو وحش وشتا جامد.
عم جميل: ربنا هو الحافظ يا بنتي.
* ثم أنزل الركاب في موقف دمنهور وأوصل مني إلي المنزل وذهب إلي الموقف مرة اخرى.
* وكان موقف دمنهور خالي تماماً من السيارات التي تذهب إلى إسكندرية والركاب كثيرون...حمل عم جميل الميكروباص واتجه إلى موقف إسكندرية فوجد الموقف خاليا من السيارات أيضاً لسوء الأحوال الجوية!
* ظل يحمل الركاب في سيارته من العصر حتى الساعة الثانية صباحا!
* حتي لم يتبقى أي ركاب في موقف إسكندرية لينقلهم لدمنهور.
* ثم عاد بسيارته فارغة دون أي ركاب بعد أن جمع لإبنته مني 200 جنيه فقط من المبلغ الذي طلبته منه.
* وفي الطريق وجد أحد الرجال مرتديا بدلة سوداء وقميص أزرق وكرافتة بيضاء يشاور لسيارة عم جميل وكأنه يستغيث به! وقف عم جميل بالميكروباص. فقال له الرجل: ممكن توصلني دمنهور وهاديلك اللي إنتعاوزه؟
* فأسرع عم جميل قائلاً له: اركب يا استاذ من المطر. الله يكرمك. ونتفاهم جوا.
* ركب الرجل جنب عم جميل قدام. فقال له الرجل: معلش يا اسطى انا مش معايا فلوس ممكن توديني لحد البيت؟ وهحاسبكصدقنى...
* وكان عم جميل يسأل نفسه ..إزاى راجل زيه يلبس أغلي الملابس ومش معاه فلوس؟
* نظر الرجل لعم جميل وقال له: وأنا مروح طلع عليا شوية بلطجية سرقوا عربيتي ورموني مكان ما لاقتني كده!
عم جميل بدهشة: معقولة… طب نروح نعمل محضر يا أستاذ.
رد الرجل: محتاج بس أروح البيت أغير هدوميوأطمن زوجتي وأولادي وأطلع على القسم أعمل محضر.
عم جميل: مش مهم العربية ومش مهم أي شئ، المهم إنك بخير. الفلوس بتروحوتيجي يا أستاذ.
ولما وصل عم جميل إلى دمنهور و إتجه إلى بيت الرجل ليوصله لباب بيته،
قال له الرجل: إستناني يا عم جميل هاغيرهدوميوآجي معاك القسم أعمل بلاغ بسرقة العربية.
عم جميل: حاضر أنا في إنتظارك يا بيه.
دخل الرجل وبعد أقل من دقيقة سمع عم جميل صوت الرجل وهو بيصرخإلحقني يا عم جميل إلحقني..
جري عم جميل للبيت بسرعة. فيه إيه يا بيه. فيه إيه؟
الراجل وهو مرعوب: أنبوبه الغاز مسربة وزوجتي وأولادي غايبين عن الوعى!! إنقلهممعايا للعربية بسرعة.
فأخذ عم جميل الطفلين مسرعاً إلي الميكروباص وحمل الرجل زوجته وإتجهوا إلى مستشفى دمنهور.
وتم إنقاذهم.. خرج الرجل بعد أن حمد الله كثيراً وهو يقول
لعم جميل: أنا مديون لك بحياتي أنا تحت أمرك في أي وقت.. ثم أخرج بعض الفلوس لعم جميل. فرفض ان ياخدأى فلوس. وقال يا بيه  صدقني ما أنا واخد حاجة.. عارف ليه يا بيه؟
فاستغرب الراجل قائلا ً: ليه؟
فقال عم جميل: انا اشتريت الميكروباص ده من 20 سنة.. زوجتي فرحت بيه قوي، الله يرحمها .. وإتفقتمعايا ان كل يوم وانا مروح آخر حمولة تبقي لوجه الله علشان ربنا يحفظني ويحفظ طريقي ويبعد عني ولاد الحرام.
ولما سألتها إشمعني آخر حمولة؟
قالتلي عشان الليل وحش وصعب علي الغريب.
عارف يا بيه اللي يشوف الميكروباص بتاعي مهكع كده يقرف يركب فيه ويقول مش هيطلع من الموقف أساساً… بس الحقيقة إني من يوم ما إشتريت الميكروباص ده وهو ما عطلش غير مرتين يا أستاذ من 20 سنة!
الرجل وهو في دهشة: ياهإنت راجل جميل قوى. طيب ممكن تقولي إسمك إيه بالكامل لو مش عاوز تاخد فلوس اكيد مش هترفض اني أكون أخوك
* رد عم جميل: ده شرف ليا يا بيه … أنا إسمي جميل كمال كامل.
* فقال له الرجل مبتسماً: وبنتك اللي في الصورة دي إسمها ايه؟
قال عم جميل: مني يا بيه.
الرجل: عندك اولاد غيرها؟
عم جميل: لا يا بيه؟
الرجل: طيب إنت عرفت بيتي يا عم جميل، ممكن تبقي تيجي تزورنا إنت وبنتك بما إننا بقينا أهل؟
عم جميل: إن شاء الله هانيجيعلشاننطمنعلي المدام والأولاد.
الرجل: إن شاء الله هاستناك.
وراح عم جميل إلي مني وحكى لها ما حدث.
فقالت له مني: معقوله يا بابا ما جمعتش غير ٢٠٠ جنيه من ٣٥٠ جنيه؟ وكمان ربنا يرزقك بشغل وماتخدش منه فلوس؟
ده أنا ممكن أسقط بكرة في الكلية في أعمال السنة!
عم جميل: إسمعيني يا بنتي. اللي وصلك لكلية الطب وحفظك لي، مش هاينساكى. حمولة آخر الليل باطلعها لله، مش معنى إن كان رزقها كتير إني أبص علي رزق أنا طلعته لله ...وانا عارف إنه هايعوضني أضعافه..
مني حست انها غلطت فقالت سامحني يا بابا...
بس أنا خايفة من بكرة قوي.. ونفسي أفرحك بيا واخليك تشوفني أكبر دكتورة.
عم جميل: إن شاء الله خير يا بنتي… روحي كليتك بكرة وإدفعي ال ٢٠٠ جنيه وسيبيها على ربنا.
مني: ونعم بالله يا بابا..
ثم جاء اليوم الثاني وذهبت مني الي كليتها. وفي المحاضرة الأولي.. دخل أحد العمال وإستاذن
من الدكتور الذي يشرح المحاضرة وقال: الطالبة مني جميل كمال كامل.
فقامت مني وهي خائفة: أنا
فقال لها: اتفضليمعايا عميد الكلية عاوزك.
اتجهت مني الي غرفه عميد الكلية وهي مرعوبة.
لماذا ارسل لها عميد الكلية؟
كانت ضربات قلبها تتسارع ويعلو صوتها لدرجة انها كانت تسمعها حتي وصلت إلي غرفة عميد الكلية
وقال لها: انتي مني جميل كمال كامل؟
فقالت له: ايوه؟
فقال لها وهو يبتس: انا عارف باباكىبيشتغل علي ميكروباص في موقف اسكندرية دمنهور مش كده؟
فقالت له باستغراب: ايوة.. ابويا جراله حاجه؟!
فقال لها عميد الكلية: لأ.بس اولادي وزوجتي اللي كان هيجرالهم حاجه لو ما كنتش قابلت باباكيامبارح بالليل بعد ما عربيتىاتسرقت! فقالت له مني بدهشة: هو حضرتك الراجل اللي ركب
مع بابا إمبارح وزوجتك واولادك كانوا هيتخنقوا من أنبوبة البوتاجاز؟
فابتسم عميد الكلية قائلاً: ايوه انا. ربنا أنقذهم.. وهستناكي تشرفينا النهارده انت وبابا في البيت.
مني بعد ان اصبحت في قمة سعادتها.. ان شاء الله حاضر يا فندم.
وبعد ان شكرها كثيراً إستأذنته مني للذهاب لتكمل المحاضرة ...
وبينما هي في إتجاهها لتخرج من باب غرفته قال لها: مني.
فنظرت له وقالت: أيوة يا فندم ؟؟
فقاللها: دي كتب السنة. وده بالطو. وده جهاز قياس الضغط، خديهم ولو احتاجتي اي حاجة انا زي بابا بالظبط .فاهمة ؟؟
فخجلت مني كثيراً وحاولت رفض الكتب. وما قدمه لها ولكنه رفض واصر بشدة...
بعد أن قصت الدكتورة لطلبة المدرج قصه بنت سواق الميكروباص قالت لهم: دلوقتي بقي نتعرف ببعض …
انا الدكتورة مني جميل كمال كامل ...بنت سواق الميكروباص!
"ارم خبزك على وجه المياه فإنك تجده بعد أيام كثيرة"

 

شكراً للكاتب: بسام أنور

وشكراً لبطل القصة، الأب:جميل كمال كامل.

وشكراً لبطلة القصة، د. منى جميل كمال كامل.
 

وماتزرعه ستحصده فى حينه.

واسمح لى عزيزى القارئ أن أتذكر بعض القيم، والنقاط الحياتية التى توصلنا لها من خلال الواحد والسبعين قصة السابقة ومنها:

71- لاتملك كقناعة التلون مع الناس ولاتقبل أن يدفعك الناس لتكون شخص آخرغيرشخصك.

 

تاركين لك عزيزى القارئ، ولتأملاتك الشخصية، ولثرائك الفكرى، وخبرتك الخاصة، استنتاج العديد من الدروس المثمرة من كل قصة بل وإضافة الكثير إليها، ليصبح لكل قصة، على حدة، معنى عام، ومعانى خاصة تتوقف على مدى ثقافة القارئ العزيز...

ولدروسنا من التنمية البشرية بقية...

أخبار متعلقة :